الأربعاء، 1 أبريل 2026

وداعاً منارة الذاكرة و الأجيال: الأستاذ المجاهد صلاح الدين محمد في ذمة الله

"مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ..."

​بقلوبٍ مؤمنة بقضاء الله وقدره، تنعى الأسرة التربوية والثقافية والإعلامية والثورية، بولاية عين صالح خاصة والجزائر عامة، ومعها كل ذرات تراب هذا الوطن الطاهر، قامةً سامقةً من رجالات الرعيل الأول، وفارسا ترجل عن صهوة الكلمة والحق؛ الأستاذ و المربي والمجاهد الفذ صلاح الدين محمد.

​رحل الرجل الذي لم يكن مجرد عابر سبيل في محطات الحياة، بل كان مؤسسةً قيميّة تمشي على الأرض، ومنارةً فكرية أضاءت دروب الحائرين لزمن طويل، رحل من صاغ من الحروف دروعاً لحماية الذاكرة الوطنية، ومن التربية ميثاقاً لبناء الإنسان قبل بناء الجدران.

​رحيل المدرسة التي علمت كثيرون كيف تكون الحياة

​كيف ترثي الكلماتُ من كان سيّدها؟ وكيف تفي الحروفُ بحق من أحيا بها موات العقول؟ رحل وترك خلفه إرث ثقافي، لم تطبع منه إلا رواية الممرضة الثائرة في القرن الماضي، وكرم من عديد من الجهاز على. عطائه الثقافي، وجاهده في سبيل الله ثم في سبيل الوطن.

لقد كان الفقيد صلاح الدين محمد ظاهرةً نادرة الجمع؛ فهو المجاهد الذي عرف أن الجهاد موقفٌ قبل أن يكون رصاصاً، وهو المؤرخ الذي أدرك أن التاريخ أمانةٌ تُصان لا حكايات تُروى، وهو الروائي الذي طوّع اللغة لخدمة الحقيقة.

​لم يكن يلقن الدروس تلقيناً، بل كان يغرس القيم غرسا، ولم يحدّث الأجيال عن الوطن كشعارٍ برّاق، بل جسّده في تواضعه الجمّ، وفي غيرته الصادقة على هوية هذا المجتمع وأصالته، لقد فقدت الجزائر اليوم رجلاً من طينة الكبار الذين نذروا أعمارهم للوطن لا للمجد الشخصي، وللتاريخ لا للأضواء الزائفة.

​جنازتةٌ هي الشهادة الأسمى

​إن الحشود المهيبة التي توافدت من كل حدب وصوب، والوجوه التي غشاها الحزن من مختلف المناطق، لم تأتِ لتؤدي واجباً بروتوكولياً، بل جاءت لتعلن بيعة الوفاء لرجلٍ عاش صادقاً ورحل طاهراً. تلك الحشود هي الاستفتاء الشعبي على حب رجلٍ كان أباً قبل أن يكون أستاذاً، ومرشداً قبل أن يكون معلماً.

​لقد وقف تلامذته اليوم في مشهدٍ مهيب، يشعرون بـ "يتمٍ فكري وتربوي"، فقد انطفأ المصباح الذي كان ينير لهم غياهب الطريق، وصمت الصوت الذي كان يوجه البوصلة نحو الحق دائماً.

​رسالة إلى روح الفقيد الطاهرة

​نَمْ قرير العين يا أبا الأجيال، فقد أدّيت الأمانة كاملةً غير منقوصة.

​كتبتَ فخلّدت بمدادك تاريخاً كان يُراد له النسيان.

​ربّيتَ فتركت وراءك جيوشاً من المثقفين والمربين يحملون مشعلك.

​جاهدتَ بالكلمة والموقف، فكنت نعم الشاهد على عصرك.

​إن جسدك الذي واراه الثرى اليوم لا يعني غيابك؛ فالمربون الكبار لا يموتون، بل يتحولون إلى قيمٍ وأفكار تسري في عروق تلامذتهم، وإلى سيرةٍ عطرة تظل نبراساً يهتدي به السائرون في درب العلم والنضال.

​عزاء ودعاء

​بهذا المصاب الجلل، نرفع أحرّ التعازي وأصدق مواساتنا للأسرة الكريمة ولأنفسنا وللوطن أجمع.

​اللهم يا حنّان يا منّان:

اللهم إن عبدك "صلاح الدين محمد" قد أفنى عمره في خدمة العلم والتاريخ والوطن، فأكرم نزله ووسّع مدخله، اللهم اجعل ما قدّمه من فكرٍ وتربية وجهاد في ميزان حسناته وصدقةً جاريةً لا تنقطع. اللهم اغسله بالماء والثلج والبرد، واجعل قبره روضةً من رياض الجنة، واحشره مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً.

​"إنا لله وإنا إليه راجعون"

ستبقى حياً بجميل أثرك، وطيب ذكرك، وعظيم ما تركت.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق