بمشاعر يملؤها الرضا بقضاء الله وقدره، وبقلوب يعتصرها الألم لفقدان قامة من قامات الصلاح، تودع "أولف الكبير" ببلدية تمقطن واحداً من أوفى أبنائها وأبرّهم. رحل عنا الفقيد لعصب عبد الرحمن، المعروف في الأوساط الشعبية بلقبه بدحمان جديد، تاركاً خلفه إرثاً من المحبة والذكر الحسن يفوح شذاه في أرجاء أولف الكبير وماحاورها.
في زاوية من زوايا "أولف الكبير"، حيث تتلاقى أصالة الأرض بطيبة البشر، غابت أمس شمسٌ طالما أنارت الدروب بكلماتها الطيبة، ورحل رجلٌ لم يكن مجرد عابر سبيل في حياة الناس، بل كان وتداً من أوتاد الصلاح والتقوى. لعصب عبد الرحمن، أو "دحمان" كما يناديه المحبون، غادرنا إلى دار البقاء، مخلّفاً وراءه فراغاً لا يملؤه إلا جميل الصبر وحسن العزاء.
لسانٌ لم يعرف إلا الطيب
لقد كان الفقيد مدرسة في الأخلاق الصامتة؛ ففي زمنٍ كثر فيه اللغط، اختار لعصب خدمات جديد، أن يكون لسانُه مفتاحاً للخير مغلاقاً للشر، يشهد كل من عرفه في أولف الكبير، وما حولها أنه ما نطق إلا بجميل القول، وما عرفت مجالسُه إلا الكلمة الطيبة التي تجبر الخواطر وتؤلف القلوب. كان رجلاً يزن كلامه بميزان الوقار، فاستحق أن يتربع على عرش المحبة في قلوب الصغار والكبار.
رفيق الأرض وصديق النخيل
لم يكن "دحمان جديد" مزارعاً عادياً، بل كان رجل زراعة وفلاحة بامتياز، كانت يداه السمراوان تحكيان قصة عشقٍ أزلية مع تراب أولف الكبير. فلح الأرض بعرقه، وزرع فيها من روحه قبل بذره، فجعل من الصحراء جنةً خضراء. عرفته المزارع صبوراً مكافحاً، يرى في الفلاحة عبادةً واتصالاً بعطاء الخالق، فليكن قدوةً للشباب في التمسك بالأرض وخدمتها بإخلاص.
من عمار بيوت الله
وإلى جانب صِدقه مع الأرض، كان صِدقه مع السماء أعظم. لقد كان الراحل من عمار المسجد الذين لا تخطئهم العين في صفوف المصلين، ولم يكن المسجد بالنسبة له مجرد مكان للصلاة، بل كان موطنه الروحي الذي يجد فيه سكينة نفسه، غاب اليوم جسده عن المحراب، لكن صدى خطواته نحو صلاة وبقايا تسبيحاته ستظل حاضرة في زوايا المسجد، تشهد له بقلبٍ معلقٍ ببيوت الله.
خاتمة الوفاء
إن رحيل رجل بوزن "دحمان جديد" هو خسارة ليس لبلدية تمقطن فحسب، بل لكل من يؤمن بأن المعدن الأصيل لا يصدأ. رحل المزارع وبقي الثمر، رحل العابد وبقي الأثر، ورحل صاحب الكلمة الطيبة وبقي الذكر الذي هو "عمر الإنسان الثاني".
اللهم اغفر لعبدك لعصب عبد الرحمن ( دحمان جديد)، وارحمه رحمة واسعة، واجعل ما زرعه في الأرض صدقة جارية، وما قدمه في المسجد شفيعاً له، وأسكنه فسيح جناتك مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق