الجمعة، 3 أبريل 2026

بلوافي ​مولاي هيبه بن محمد بن مولاي بوبكر: سيرة الطهر والوفاء وذاكرة أولف الحية

في سجلات الخالدين بجميل الأثر، لا تُمحى الأسماء التي نُقشت بمداد الكرم والتقوى. ومن هذه الأسماء المتجذرة في وجدان أولف والمنطقة، الوالد الفاضل بلوافي هيبه بن محمد بن بوبكر، المشهور والمعروف في الأوساط الشعبية قبل وفاته بمولاي هيبة ولد مولاي بوبكر، رجلٌ اختزل في شخصيته نبل الأخلاق، وعزة النفس، وصدق السريرة.

​النشأة

​لم يكن مولاي هيبة مجرد فردٍ في مجتمع، بل كان سليل دوحة النبوة الطاهرة الشريفة، ممتداً بنسبه وخُلقه إلى سبط رسول الله ﷺ، الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما. هذا النسب الشريف تجلى في سمته، فلم يكن يرفع صوته إلا بالحق، ولم يكن يضع جبهته إلا لله.

​وُلد في عام 1920م، وإن كانت السجلات الإدارية قد دونته في عام 1916م؛ وهو فارقٌ خلفه قرار قضائي بطلب منه في سنواته الأخيرة، حين نال منه مرض "الركبتين" وأثقله الوجع، فاستعان بذاك التخفيض الإداري لسنوات العمر ليتمكن من نيل التقاعد في سن الستين، ليريح جسداً أضناه الكدح في سبيل لقمة العيش الحلال.

​الاستقامة والورع: تعظيم المولى عز وجل

​مما عُرف به مولاي هيبه ورسخ في عقل ابنه الأستاذ عبدالرحمن، هو ذلك الإجلال المهيب لاسم الله سبحانه. فقد كان يتحرج بشدة من "القسم بالله"، لا يجعل اسم ربه عرضة لأيمانه مهما بلغت درجة الحديث، إيماناً منه بأن عظمة الخالق تقتضي هيبته في النفس واللسان. كان قلبه معلقاً بحب الله وخوفه، فكان الصدق ديدنه دون حاجة لتوكيد بيمين.

​نبل العمل: مدافعٌ عن الحقوق في "عين أمناس"

​خلال سنوات عمله بشركة "سوناطراك" بـ "عين أمناس"، لم يكن مجرد عامل بسيط، بل كان صاحب موقف ورؤية. عُرف بدفاعه المستميت عن حقوق العمال، مترجماً إيمانه بأن العمل عبادة وأن الظلم ظلمات. وقد تعلم منه ابنه الدرس الأسمى في الحياة: "أعطِ الأجير حقه قبل أن يجف عرقه"؛ وهي القاعدة التي طبقها مولاي هيبة في حياته، ولا يزال الابن يقتفي فيها أثر والده مع كل من يعمل عنده، وفاءً لذاك النهج النبوي الأصيل.

​السخاء الذي لم يعرف الحدود

​كان الوالد "مولاي هيبة" مدرسة في الكرم الفطري الذي لا يبتغي جزاءً ولا شكوراً. لم يكن يفرق في عطائه بين صغير أو كبير، ولا بين قبيلة وأخرى، أو جنس وآخر؛ فالعطاء عنده كان إنسانياً محضاً.

​ويستذكر المعاصرون له، ومنهم من كان طفلاً في ذلك الوقت مثل "بن سعد عبدالقادر بن أحمد" (الساكن بقصر إينر حالياً)، كيف كانت عودة الوالد من "عين أمناس" كل شهر تمثل عيداً للحي. كانوا يرقبون وصوله بلهفة، فكان يفيض عليهم بما حملت يداه من "أقلام الحبر" و"علب السردين" و"الحلوى"، فكان يزرع الفرح في قلوب الصغار قبل الكبار. كما يشهد على نبل تعامله رفاق دربه في العمل، ومنهم "الحساني مولاي الشريف بن مولاي عبدالله" (الساكن بأولف الكبير)، الذي لا يزال يذكر خيره وطيب معشره في سنوات الكدح المشترك.

​وقاره للمعلمين ورحيله المهيب

​في نهاية السبعينيات، عاين ابنه عبدالرحمن صورة مشرقة من صور التبجيل، حيث كان الوالد يجلُّ "المعلمين" إجلالاً منقطع النظير، يفتح لهم أبواب منزله بالضيافة والترحاب، سواء كانوا من أبناء المنطقة أو من المغتربين عنها، إيماناً منه بأن حامل العلم يستحق التصدر في المجالس والقلوب.

​وجاء الختام في مشهدٍ يليق بصلاحه؛ ففي مستشفى "أولف"، وفي ليلة مباركة هي ليلة السابع والعشرين من رمضان عام 1400 هـ (الموافق لـ 8 أوت 1980م)، كان الوداع.

​يتذكر ابنه عبدالرحمن -الذي كان حينها في السنة الأولى متوسط- تلك اللحظات الفاصلة بمرارتها وجلالها؛ حين قيل له في غمرة البكاء من حوله: "شد الكفن"، فكان الصابر المحتسب رغم صغر سنه. ورغم ما أصابه بعدها من "وسواس" ناتج عن صدمة الفقد، إلا أن الله شفاه وعافاه، ليظل حافظاً للأمانة، حاملاً لاسم والده بكل فخر.

​لقد غادر "مولاي هيبه" الدنيا وآخر ما جرى به لسانه هو ميثاق النجاة: "لا إله إلا الله، محمد رسول الله".

​رحم الله الوالد مولاي هيبة، ورحم الوالدة الفاضلة، وجعل الفردوس الأعلى من الجنة مستقراً لهما مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. وبارك الله في عقبهما إلى يوم الدين. 





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق