السبت، 7 فبراير 2026

حمادي أحمد الحاج: نخلة "تيديكلت" الباسقة وجسر الحضارات الذي لا ينقطع

في أعماق الصحراء الجزائرية الكبرى، حيث يتجلى شموخ الإرادة في "أولف" الأبية بولاية أدرار، انبثقت قامة علمية وتربوية فذّة، لم تكن مجرد عابر سبيل في دروب الحياة، بل كانت صانعةً للتاريخ والأثر، إنه الأستاذ والمربي الفاضل حمادي أحمد الحاج؛ الرجل الذي لم يدرس اللغة الفرنسية كقوالب لسانية جافة، بل سكب فيها من روحه إخلاصاً، ومن علمه إتقاناً، ومن فكره تنويراً.

مدرسة الأخلاق وأستاذ المعرفة

لقد كان الأستاذ حمادي حالةً استثنائية في المشهد التربوي، فهو "المعلم الأول" الذي طوع اللغة الفرنسية في منطقة أولف، متنقلاً بين أطوار التعليم الثلاثة (الابتدائي، المتوسط، والثانوي) كفارسٍ لا يترجل عن صهوة العطاء، ولم يكن التعليم عنده وظيفةً تنتهي بانتهاء الحصص، بل كان رسالةً مقدسة، أفنى فيها عمره مربياً للأجيال، ومنظماً في حياته كدقة الساعة، مما جعل منه مرجعاً في الانضباط والإخلاص.

يد الخير الممتدة وذاكرة الوفاء

لم تنحصر عظمة هذا الرجل في أسوار المدارس، بل فاض كرمه ليكون "رجل مجتمع" بامتياز، لقد كان الملاذ الآمن لآبائنا و أهلنا الذين  علموا في شبابهم في بلاد المهجر بفرنسا؛ فبفضل براعته اللغوية وحسه الإنساني، كان هو "المعين" الذي تمكنوا من خلاله من أخذ حقوقهم، وبذل جهده لتصلهم أجورهم من مؤسسات الضمان الاجتماعي الفرنسية، فكان سبباً في سعة عيش الكثير من العائلات في دائرة أولف.

ولم تقف مروءته عند حد الخدمات الإدارية، بل كان واصلاً للرحم، متفقداً للضعفاء، ولعل زيارته للمرحومة "الشريفة لالة ستي" بقصر الزوية ببلدية تمقطن ولاية أدرار، تلك المرأة المسنة التي لم تنجب ذرية، هي تجسيد حي لقلبٍ لم يعرف يوماً الجحود، بل كان ابناً لكل بيت في منطقته.

جسر الثقافات وعالم الفقارات

إن المتأمل في سيرة حمادي أحمد الحاج يدرك أنه لم يكن مجرد معلم محلي، بل كان "حلقة وصل" عالمية. وإيماناً من العالم بعمقه الفكري، قامت سفارة اليابان بالجزائر بنشر مذكراته وسيرته الذاتية، اعترافاً بدوره كجسر ثقافي يربط بين عراقة الصحراء الجزائرية وانفتاح الشعوب الأخرى.

ولم يتوقف عند السرد الذاتي، بل غاص في كنوز أرضه بحثاً وتنقيباً، فشارك في بحث علمي رصين حول "الفقارة" (نظام الري التقليدي) رفقة البروفيسور الياباني العالمي "كوبوري إيواو" و علماء أخرون، ليثبت أن ابن أولف قادر على محاورة كبار العلماء وتقديم تراثه في قالب أكاديمي عالمي.

النخلة التيديكلتية: قصة صمود

إن قصة حياة حمادي أحمد الحاج هي في جوهرها تجسيد للنخلة التيديكلتية؛  التي تضرب جذورها في رمال القحط، وتتحدى قسوة الظروف وهجير الصحراء، لتصر في النهاية على أن تمنح تمرها حلواً لكل عابر سبيل، وكان رجلاً "عصامياً" بكل ما تحمله الكلمة من معنى، إذ لم تكسره المشاق، ولم تعجزه الصعاب، بل صنع من رحم المعاناة أمجاداً تربوية واجتماعية ستبقى خالدة في ذاكرة سكان أولف خاصة و أدرار عامة، بل الجزائر ، وهو رجل فلاحة بامتياز، يعرف قيمة الأرض كما يعرف قيمة العقل، ويطوع الصعاب بصبر المؤمن وعزيمة الفرسان.

دعاء 

​كلما رأيته وذهبت لمصافحته، دعا لي بحفظ الإيمان والثبات؛ وهل هناك أثمن من دعوة أستاذ جليلٍ نذر حياته للنور لتلميذه؟

​اللهم جازه عنا خير الجزاء، وبارك في عمره، وأتمم عليه الصحة والعافية. اللهم اختم له بالحسنى، وارزقه الفردوس الأعلى من الجنة، مرافقاً لنبينا محمد ﷺ، ومتعه بنعمة النظر إلى وجهك الكريم، كما أمتع عقولنا بالعلم وقلوبنا بالخلق

خاتمة وفاء:

سيظل اسم حمادي أحمد الحاج محفوراً في ذاكرة الأجيال، لا كمعلم لغة فحسب، بل كمنارةٍ للعلم، ورمزٍ للإنسانية، وجسرٍ عبرت عليه ثقافة "تيديكلت" إلى آفاق العالمية. رحم الله كل من علمنا أن العلم بلا أخلاق جسد بلا روح، وأن الوفاء للأرض وأهلها هو أبهى صور العطاء للعلم، والله يبارك لأستاذنا العزيز حمادي أحمد الحاج فيما بقي من عمره، بالصحة و العافية. 

صورة حمادي أحمد الحاج



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق