في حضرة الوفاء، تنحني الكلماتُ إجلالاً، وتصمتُ الحروفُ لتترك المجال لصدى السنين أن يتحدث، ونحن لا نتحدث اليوم عن مجرد موظفٍ أتمَّ خدمته، بل عن مؤسسة تربوية تمشي على قدمين، عن الأستاذ المربي بن سعد لمين، الرجل الذي جعل من التعليم رسالةً مقدسة، ومن القسم محراباً للعلم والفضيلة.
ثباتٌ على العهد.. وعمرٌ في خدمة الأجيال
أكثر من اثنين وثلاثين عاماً، والأستاذ "بن سعد" يشرق في ردهات المؤسسة قبل الشمس، لم يكن الوقت عنده مجرد أرقامٍ في ساعة، بل كان عهداً بينه وبين خالقه، وبينه وبين وطنٍ ينتظرُ أجيالاً واعية، فالانضباط لديه لم يكن قيداً، بل كان منهج حياة؛ فلم يُعرف عنه تأخرٌ ولا توانٍ، بل كان القدوة الحية في احترام الوقت، وكأنه يلقن تلاميذه بصمته درساً أعظم من دروس الكتب: "أنَّ من لا يحترم وقته، لا يحترم تاريخه".
مهندس الجغرافيا ومؤرخ القلوب
بصفته أستاذاً لمادة الاجتماعيات، لم يكتفِ برسم الخرائط على السبورة، بل رسم طريق النجاح في عقول تلاميذه، ولم تكن دروسه سرداً للوقائع، بل كانت رحلةً عبر الزمن يستحضر فيها عظمة التاريخ ليبني بها كبرياء الحاضر، وكان يعرف أنَّ الجغرافيا ليست تضاريس الأرض، بل هي "إنسان" يبني هذه الأرض، فاستثمر في بناء الإنسان قبل كل شيء.
المربي الحكيم.. وعالم النفس الرحيم
ما ميز الأستاذ بن سعد لمين هو غوصه في أعماق النفس البشرية، بفضل إلمامه العميق بـ علم النفس، وخاصة سيكولوجية الطفل والمراهق، كان يقرأ ما في العيون قبل أن يسمع ما في الألسن، فعرف كيف يحتوي ثورة المراهق بهدوء الحكيم، وكيف يزرع الثقة في نفس الطفل المتردد.
لقد جسّد المعادلة الصعبة في التربية:
الحزم في موضعه: هيبةٌ تفرض الاحترام لا الخوف، وقوةٌ تضبط المسار وتغرس الجدية.
اللين في أوانه: قلبٌ أبويٌ عطوف، يمسح على رأس اليتيم، ويشجع المنكسر، ويحتضن المتعثر حتى يستقيم.
الختام: إرثٌ باقٍ وأثرٌ لا يزول
إنَّ الأستاذ بن سعد لمين عندما غادر أسوار المؤسسة التي كان أخر عمله فيها، غادرها متقاعداً بالاسم فقط، لكنه يظل حياً في كل كلمة حق نطق بها، وفي كل قيمة غرسها في نفوس الآلاف الذين تخرجوا من تحت يديه، لقد كان "مربياً بإمتياز"، ترك خلفه جيشاً من المتعلمين الذين يحملون قبساً من روحه ومنهجه.
إلى الأستاذ الفاضل بن سعد لمين:
لقد أديت الأمانة، ونصحت الأمة (الصغيرة في قسمك والكبيرة في وطنك)، وكنت نعم المنارة ونعم الدليل، تقاعدك ليس نهاية المشوار، بل هو استراحة المحارب الذي ترك وراءه بستاناً سيظل يثمر خيراً إلى يوم الدين.





































































































