في سجلات الخالدين بأعمالهم، لا تُكتب الأسماء بمداد الحبر، بل بآثار الخطى التي تركت في القلوب نورا، وفي العقول قبسا من هداية، واليوم نقف إجلالاً وتأثرا أمام سيرة رجل لم يكن مجرد عابر سبيل في دروب التعليم، بل كان الأستاذ محمد الصالح بلبالي (رحمه الله)؛ المعلم الذي جعل من مهنة التدريس رسالة مقدسة، ومن قاعة الدرس محرابا للعطاء.
مدرسة الإنسانية والابتسامة الراسخة
لم يكن الأستاذ محمد الصالح مجرد ناقل للمعلومة، بل كان مربيا من الطراز الأول، عرفه القريب والبعيد بتلك الابتسامة الدائمة التي لم تكن تفارق محياه؛ ابتسامة كانت بمثابة مفتاح للقلوب الموصدة، وجسر عبور إلى نفوس تلاميذ الابتدائي الذين رأوا فيه الأب الحاني قبل المعلم الصارم، كانت قسمات وجهه تبث الطمأنينة في نفوس الصغار، فغدت مدرسته بيتاً ثانياً، وصوته نغماً يرتل قيم الحق والفضيلة.
عمرٌ في خدمة التربية والتعليم
أفنى الفقيد حياته وهو يغرس في شتلات الوطن بذور المعرفة، صبوراً على قطافها، مؤمناً بأن بناء الإنسان هو أعظم استثمار، لقد كرس جهده ووقته لخدمة التربية، فكان يرى في كل تلميذ مشروع بطل، وفي كل طفل أملاً للأمة، ولم ينحنِ أمام مصاعب الطريق، بل ظل شامخاً كالنخلة، يعطي بلا حدود، ويجود بوقته وفكره ليصنع من الجيل الصاعد جيلاً متسلحاً بالعلم والأدب.
نعم المربي.. ونعم القدوة
إن شهادة الأجيال التي تخرجت على يديه هي الوسام الحقيقي الذي يحمله معه إلى دار البقاء، فقد كان "نعم المربي ونعم المعلم"، جمع بين هيبة العلم وتواضع العلماء، ولم يكتفِ بتعليم الحروف والأرقام، بل علمهم كيف تكون العزة، وكيف يُبنى الضمير، رحل محمد الصالح منذ زمن بعيد، وبقيت دروسه حية في سلوك كل من تتلمذ على يديه، فكل حرف نطقوا به، وكل نجاح حققوه، هو صدقة جارية تضاف إلى ميزان حسناته.
نم قرير العين
فإذا كان قد غادرنا منذ زمن بعيد بجسده، فإن روحه الطاهرة ما زالت ترفرف في فضاءات المدارس التي أحبها، فرحمة الله عليه بالأمس حين كان يزرع الأمل، ورحمة الله عليه اليوم وهو في ذمة الخالق، ورحمة الله عليه غداً يوم يقف بين يدي ربه، ليتلقى جزاء ما قدمت يداه من إحسان وتنوير.
اللهم اغفر لعبدك محمد الصالح بلبالي، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واجعل قبره روضة من رياض الجنة، واجزه عن كل حرف علمه، وعن كل طفل احتضنه، خير الجزاء.










































































