بين شوارع طوكيو المنضبطة وأزقتنا المزدحمة بالوعظ والوعود، ثمة فجوة لا تقيسها الكيلومترات، بل تقيسها "الأمانة". إن المشهد الياباني الذي يُبهر العين بجماله ويوجع القلب بدلالاته، يضعنا أمام مرآة كاشفة؛ مرآة تُخبرنا أن الإسلام ليس مجرد نصوص نقدسها، بل هو واقع نعيشه، وحضارة نبنيها بالإتقان لا بالأماني.
العبادة الصامتة: دروس من بلاد لا تنام
في اليابان، لا يحتاج الموظف إلى كاميرا مراقبة، لأن لديه "ضميراً" يراقب. هم لم يقرأوا آية ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾، لكنهم جسدوها حركاً وسكوناً. لديهم العمل هو "المقدس" الذي لا يقبل العبث، والوقت هو "العمر" الذي لا يُهدر.
العجيب والمؤلم في آنٍ واحد، أننا أمةٌ قيل لها في مطلع وحيها: "اقرأ"، ثم قيل لها: "اعمل". جعل الإسلام من إتقان العمل طريقاً لمحبة الله، كما قال النبي ﷺ: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يُتقنه». فكيف صار "الإتقان" ماركة مسجلة لمن لا يدينون بديننا، وصار "التراخي" و"الارتجال" صفةً تلازم الكثير من مجتمعاتنا؟
أين ضاع الجوهر؟
مشكلتنا الكبرى ليست في ندرة الموارد، فخزائن الأرض تحت أقدامنا. وليست في نقص العقول، فعباقرة المسلمين يملؤون مختبرات الغرب والشرق. مشكلتنا هي "انفصام الشخصية الحضارية".
نحن نصلي في المسجد بوقار، ثم نخرج لنخلف المواعيد.
نقرأ عن الأمانة، ثم نغش في مواصفات البناء والزراعة.
نطلب السيادة بين الأمم، ونحن نعتبر "الدوام الرسمي" عبئاً ثقيلاً نحاول التملص منه.
لقد حوّلنا الدين إلى طقوس معزولة عن الحياة، بينما أراده الله منهجاً يُصلح شؤون الدنيا والآخرة. الياباني يتقن لأنه يحترم إنسانيته، والمسلم مُطالب بالإتقان لأنه يراقب خالقه.. فأي الحافزين أقوى وأبقى لو كنا نعقل؟
حين يسبق "التطبيق" على "الادعاء"
إن ما نراه في اليابان من انضباط ليس "معجزة"، بل هو ثمرة "نظام وقيم". هم آمنوا بأن المجتمع جسد واحد، إذا قصر فيه عامل نظافة أو مهندس قطارات، تأذى الجسد كله. ونحن، رغم علمنا بأن "كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته"، رضينا بأن يلقي كل منا المسؤولية على الآخر، حتى صرنا نكثر الكلام ونقلّ العمل، وننتظر المعجزات بلا أسباب.
"إن الحضارة لا تُستورد بالمال، بل تُبنى بالقيم. وإن الدين الذي لا يظهر أثره في إتقان صنعة، أو صدق كلمة، أو احترام موعد، هو دين سجين في الكتب لا يسكن القلوب."
الاستفاقة قبل فوات الأوان
لن يغير الله ما بنا حتى نغير ما بأنفسنا. إن العودة إلى صدارة الأمم لا تمر عبر الخطب الرنانة، بل عبر:
إحياء عقيدة الإتقان: أن نؤمن أن جودة عملنا هي جزء من تقوانا.
احترام الوقت: فمن لا يحترم وقته، لا يحترم الحياة.
المسؤولية الفردية: توقف عن لوم "الظروف"، وابدأ بإصلاح ما تحت يدك.
ختاماً..
إن رؤية التقدم في بلاد الغير يجب ألا تزيدنا إحباطاً، بل يجب أن تشعل فينا "غيرة إيمانية". نحن أولى بهذا الإتقان، ونحن أحق بهذا الانضباط. فاليابان نجحت بـ "أخلاق الإسلام" دون إسلام، فما بالنا نملك "الإسلام" ونفتقد الأخلاق التي يقوم عليها؟
لقد آن الأوان أن ننتقل من أمة "تقرأ" إلى أمة "تصنع"، ومن أمة "تتمنى" إلى أمة "تتقن". فالله لا ينظر إلى طول لحينا ولا كثرة كلامنا، بل ينظر إلى أثر ذلك في صلاح دنيانا وخدمة خلقه.
















































