في أديم أرض توات الطيبة، وحيث تتنفس رمال أولف عبق التاريخ وأصالة الشرف، تبرق أسماءُ رجالٍ لم تكن حياتهم مجرد أرقام في سجل الزمن، بل كانت أنهاراً من العطاء وجسوراً من التقوى، ومن بين هؤلاء الأعلام الذين ترجلوا تاركين خلفهم فيضاً من النور، يبرز اسم المرحوم بإذن الله باية مولاي عبد الله بن مولاي السعيد، سليل الدوحة النبوية الشريفة، والرجل الذي طوى الفيافي طلباً للرزق وبنى القلوب طلباً للآخرة.
سليل العترة ووريث المجد
لم يكن باية مولاي عبد الله ولد مولاي السعيد، رجلاً عادياً، بل كان يحمل في عروقه قبساً من النور المحمدي؛ فهو من الشرفاء البلغيثيين المعروفين في إقليم توات بتمسكهم بالدين وحبهم للصلاح، وينتهي نسبه الشريف إلى الحسن بن علي بن أبي طالب وفاطمة الزهراء بنت خير خلق الله ﷺ. هذا النسب العظيم لم يكن بالنسبة له مجرد فخر يُذكر، بل كان تكليفاً بالخلق الحسن، وتواضعاً للناس، وزهداً في حطام الدنيا.
رحلة الكفاح: من السودان الغربي إلى السكينة في "قوقو"
لقد جابت قدماه أصقاع السودان الغربي، من مالي إلى النيجر فنيجيريا، في رحلات كفاحٍ وسعيٍ حلال، عاد منها محملاً بخبرات الرجال وحكمة الترحال، ولما ألقى عصا الترحال واستقر بمقره في "قوقو" ببلدية تمقطن، لم يلتفت للراحة، بل جعل من بيته ومقامه قبلةً للخير ومدرسةً في التفاني.
الزاهد العابد.. إمام المحراب والقلوب
عُرف المرحوم بصلاحه وورعه، فكان في محراب الصلاة إماماً في قصره كلما غاب الإمام، يرتل آيات الله بقلبٍ حاضر، ويفيض على من حوله من سكينة أهل القرآن، وكان محباً للذكر، شَغوفاً بمجالسة الصالحين.
علاقة مقدسة بالأرض ووفاءٌ لـ "الفقارة"
ولأن الصلاح عند باية مولاي عبد الله كان يمتد من السجادة إلى الأرض، فقد ضرب أروع الأمثلة في خدمة الأرض والفلاحة، ولم يأنف يوماً من العمل اليدوي، بل كان يرى في عمارة الأرض عبادة، وظل حتى آخر رمق في حياته مشرفاً وراعياً لـ "الفقارة" (نظام السقي التقليدي)، يحمي هذا الموروث الذي يمثل شريان الحياة في المنطقة، بتفانٍ قلّ نظيره، مؤمناً بأن خدمة الناس في أرزاقهم ومياههم هي من أجلّ القربات إلى الله.
رحيل الأجساد وبقاء الأثر
غادرنا مولاي عبد الله بن مولاي السعيد بجسده، لكنه ترك في تمقطن وأولف سيرةً تُحكى بلسان الفخر، وذكراً يُتلى في مجالس الصالحين، رحل الرجل الذي جمع بين شرف الطين وشرف الدين، بين كدّ العامل وزهد العابد.
"فرحمة الله عليه رحمةً واسعة، تليق بقلبه الطاهر وعمله الصالح، وجزاه الله عن الإسلام وأهله، وعن أرضه وجيرانه، خير ما يجازي عباده المحسنين. اللهم احشره في زمرة أجداده الميامين، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً."






































































