رحل ولكنّه ما غاب، ومضى إلى جوار ربه ولكنّ خطواته المباركة ما زالت حيةً تطرق أبواب القلوب وتفيض بالأمل. رحل عنّي وأنا طفلٌ لم أبلغ من العمر سوى ثلاثة عشر عاماً، في سنٍّ كان الفؤاد فيها أحوج ما يكون إلى ظله الدفيء، وإلى يده التي تمسح على حزن الأيام، لكنّ الله سبحانه وتعالى الذي أخذ الجسد أبقى لي ميراثاً لا تفنيه السنون، ولا تبليه الأيام؛ أبقى لي سيرةً عاطرة، وذكراً حسناً، وأثراً طيباً يتردد صداه في كل مكان.
لقد كان والدي رحمه الله صورةً حيةً للخير والمروءة، رجلاً لا يعرف القلب منه غلاً ولا حقداً، جعل الناس عنده سواسية، فكان يفيض بجوده وإحسانه على الجميع دون تفريق بين جنسٍ أو لون، يبتدئهم بالكلمة الطيبة التي تأسر القلوب، ويجبر خواطرهم بابتسامته السخية ومبادراته التي لا تنقطع. كان سفيراً للمحبة، وواصلاً للأرحام، ساعياً في قضاء حوائج القريب والبعيد، حتى شهد له بذلك كل من عرفه أو جالسه أو خالطه، وغدت هذه الصفات الشريفة وسمه الذي يُعرف به بين الناس، ووسامه الذي يفخر به كل من ينتمي إليه.
وكلما انطوت السنون واستمعتُ إلى أحدهم وهو يذكره بخير، أو يروي موقفاً نبعد عنه غبار الزمن ليُظهر معدنه الأصيل، ازددتُ يقيناً راسخاً بأنّ أعظم ما يتركه المرء في هذه الحياة الفانية ليس المتاع ولا المال، بل هو العمل الصالح، والذكر الطيب، والأثر الذي ينبت ورداً في أرواح الآخرين. إنّ ألم الفراق وإن كان عاتياً، واللوعة وإن كانت حاضرة، إلا أن سيرة والدي العاطرة هي البلسم الذي يداوي جراح الفقد، وهي النهار الذي يبدد ظلمات الحزن.
ولعل من أروع المظاهر التي تجسد هذا الفضل الإلهي، ما حدث في اليوم الثاني من عيد الأضحى المبارك، في الثامن والعشرين من شهر ماي لعام 2026؛ بينما كنا نجوب الديار لنصل الأرحام ونعايد كبار القوم، التقانا رجلٌ أصغر مني سناً، فنظر إلينا ونبضات الوفاء تسبق كلماته، وقال بصوتٍ هزّ أركان أفئدتنا: "كلما رأيتكم، تذكرتُ أبانا جميعاً، تذكرتُ أباك. لقد كنتُ صبياً صغيراً في المستشفى يعاني من كسر، وكان أبوك رزيئاً بمرضه يقيم في المستشفى ذاته، ورغم علّته وثقل مرضه، لم يشغله ألمه عني، بل كان يتعهدني بالرعاية، ويغمرني بعطفه، ويمطرني بفضله وإحسانه وكأنني أحد أبنائه".
أيُّ قسَمٍ هذا الذي يُقال في حق رجلٍ نسي ألمه ليخفف عن طفلٍ غريب؟ وأيُّ روحٍ تلك التي كانت تسكن بين ضلوعه حتى تجعل المحنة ميداناً لمنح الخير والرحمة؟ إن هذا إلا فضلٌ من الله العظيم يؤتيه من يشاء من عباده الأصفياء.
فاللهم يا واسع الرحمة والمغفرة، يا من لا تضيع عندك المكارم ولا تضل لديك الأعمال، اغفر لأبي وارحمه رحمةً تسع السماوات والأرض، واجعل القرآن العظيم أنيسه في ظلمة القبر، ونوراً يستضيء به في وحدته، وشافعاً له يوم يلقاك. اللهم ارفع درجاته في عليين مع المقربين، واجزه عنا وعن كل روحٍ أسدى إليها معروفاً أو قال لها كلمة طيبة خير الجزاء وأوفاه. اللهم كما جمعتنا به في هذه الدنيا على حبك وطاعتك، اجمعنا به في جنات النعيم، في مقعد صدق عند مليك مقتدر، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسُن أولئك رفيقاً.













































































