تتحاكى الأجيال عن رجالٍ لم تكن حياتهم مجرد أرقامٍ في سجلات الزمن، بل كانت "معادلاتٍ" من الصبر واليقين، وُضعَتْ قيمُها من عرق الجبين وصفاء الروح، ومن بين هؤلاء الأعلام، يبرز اسم الأستاذ المربي حبادي بلعيد؛ ذلك الطود الشامخ الذي أفنى زهرة شبابه في سلك التربية والتعليم، مؤدياً أمانته بتفانٍ وإخلاصٍ منقطع النظير، وبشخصية فذة جمعت بين هيبة المعلّم وحنان الأب، وقوة المنطق وجمال الأخلاق.
إشراقة المولد ومنبع الروح
في قلب "أولف" النابض بالأصالة بولاية أدرار، وتحديداً في شهر جوان من عام 1964م، أبصر الأستاذ حبادي النور، لتبدأ من هناك رحلة مباركة، لم تكن بداياته عادية، بل استقى أولى قطرات العلم من "اللوح والدواة"، حيث تربى في رحاب المدرسة القرآنية على يد الشيخين الجليلين: حامد لمين محمد و حمادي الطالب خنار ، من هناك صُقلت فطرته بالإيمان، وتأسس بنيانه النفسي على الصدق والالتزام، وهو ما انعكس جلياً في مسيرته المهنية لاحقاً.
خطواتُ العلم.. من الكتّاب إلى المعهد
انتقل الفتى الطموح إلى التعليم النظامي، فكانت مدرسة "ابن باديس" للذكور بأولف شاهدة على أولى خطواته المدرسية (1971-1976)، ليعقبها مشوار المتوسط بملحقة متوسطة أولف، ثم انتقاله لمدينة أدرار حيث احتضنته ثانوية "الشيخ محمد عبد الكريم المغيلي". وهناك، في شعبة الرياضيات، تجلت عبقريته وانضباطه، ليتوج مساره بالالتحاق بالمعهد التكنولوجي بأدرار عام 1984، حاملاً بين ضلوعه حلم التغيير وبناء العقول.
المسيرة المهنية.. ملحمة العطاء الدؤوب
في 18 جوان 1984، رُفع الستار عن المشهد الأول في حياته العملية بتعيينه الرسمي، لتبدأ رحلةٌ طافت به بين الصروح العلمية، فكان كالغيث أينما وقع نفع:
متوسطة "الإمام مالك" بأولف: كانت الميدان الأول الذي صقل مهاراته، وشهدت تربصه الميداني الناجح في ماي 1985.
متوسطة "شروين": التي انتقل إليها في فيفري 1988، ليترك فيها أثراً لا يمحوه الزمن وصداقةً مع الورق والقلم والسبورة والإنسان، ثم متوسطة "الشهيد النوني عبد القادر": المحطة الختامية والأطول (منذ سبتمبر 1998)، حيث استقر فيها كأستاذٍ ومربٍ ممتاز، يُشار إليه بالبنان، ويُستلهم من صرامته العلمية وجدّيته في أداء الواجب.
لم يكتفِ الأستاذ حبادي بما لديه، بل ظل شغوفاً بالتطوير، فكانت ورشة ثانوية "زروقي" بمستغانم (جولية 1985) محطةً برهن فيها على كفاءته العالية بنجاحٍ باهر في اختباراتها الكتابية.
التقاعد.. استراحة المحارب لا انقطاع الأثر
في 30 سبتمبر 2025، ترجّل الفارس عن صهوة جواده المهني، مودعاً السبورات التي اشتاقت لطباشيره، والقاعات التي ضجت بصوته الرزين وهو يفكك شفرات الرياضيات ويبني حصون الوعي. خرج الأستاذ حبادي بلعيد إلى التقاعد، لكنه لم يخرج من قلوب الآلاف من تلاميذه الذين غرس فيهم حب العلم وقيمة الإخلاص.
لقد كان الأستاذ حبادي "أستاذاً" في مادة الرياضيات، و"مربياً" في مادة الحياة. رحل عن الوظيفة، لكن سيرته العطرة ستبقى نبراساً يضيء دروب المعلمين الجدد، وقصة فخرٍ تُروى في مجالس "أولف" و"أدرار"، لتشهد أن هناك رجلٌ أوفى بعهده، وأدى أمانته، وترك للأمة جيلاً يؤمن بأن العلم هو ميزان الحق والعدل.
تحية إجلال وإكبار إلى الأستاذ القدير حبادي بلعيد.. دمتَ ذخراً وفخراً.
كتبت هذا المقال إعتمادا على معلومات من منشور في صفحة عبدالناصر طبق، وبالإستعانة بالذكاء الإصطناعي و الصور من الصفحة طبق.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق