إن الناظر في طبيعة المجتمعات البشرية يدرك أن التنوع في الأفكار، والتعدد في الآراء، والمفاضلة بين البرامج والخطط، هي سنة كونية وطبيعة إنسانية لا يمكن إلغاؤها أو القفز عليها، وفي مواسم الاستحقاقات الانتخابية، تبرز هذه التعددية بشكل جلي، حيث يسعى كل طرف لتقديم رؤيته وتصوراته لخدمة المجتمع والصالح العام، وهنا يظهر المحك الحقيقي لوعي المجتمع ونضج نخبته وحكمة جماهيره، حيث يتأرجح المشهد بين مسارين لا يلتقيان: مسار الاختلاف المحمود الذي يبني ويثري، ومسار الخلاف المذموم الذي يهدم ويفرق.
إن الاختلاف المحمود هو ذلك التنوع القائم على الفكر، والنابع من الرغبة الصادقة في الوصول إلى الأفضل، وهو اختلاف في الوسائل والآليات لا في المقاصد والغايات، حيث تتوحد القلوب على مصلحة الوطن والمواطن، وتتعدد العقول في ابتكار الحلول وتطوير الأداء، وهذا الصنف من الاختلاف يعد ثروة فكرية وحالة صحية تنم عن حيوية المجتمع، لأنه يفتح أبواب الحوار البناء، ويسمح بتبادل الخبرات، ويدفع الجميع إلى تجويد أفكارهم وتقديم أقصى ما لديهم من نضج وعطاء، وفي الاختلاف المحمود، يرى كل طرف في الآخر شريكاً في بناء الغد، ومكملاً لنقصه، وليس خصماً يجب إسقاطه أو محوه.
أما الخلاف المذموم، فهو الذي يتحول فيه التباين في الرأي إلى خصومة في النفوس، وتتحول فيه المنافسة الشريفة إلى صراع شخصي يملؤه التناحر والبغضاء، وهذا الخلاف هو الذي يتجاوز حدود الفكرة ليطعن في النوايا، ويستبيح الأعراض، ويهدم جسور التواصل، وهو نوع من الخلاف تدفعه الأنانية وحب الذات، ويغذيه التعصب الأعمى للرأي أو الحزب أو القبيلة، مما يؤدي في النهاية إلى تمزيق النسيج الاجتماعي، وإشاعة ثقافة الكراهية، وتشتيت الجهود التي ينبغي أن تتكامل لخدمة الجميع، وحين يطغى الخلاف المذموم، يخسر المجتمع كله، وتغيب المصلحة العامة خلف غبار المعارك الجانبية والصراعات الضيقة، ومن هنا تبرز الضرورة القصوى والمسؤولية الكبرى للتحلي بالقيم والمبادئ والأخلاق الإنسانية، والإسلامية قبلها، خصوصاً في خضم الحملات الانتخابية، لأن السياسة في جوهرها الأصيل، وفي المنظور الإسلامي السامي، ليست مجرد وسيلة للوصول إلى الغايات بأي ثمن، بل هي أمانة ثقيلة وتكليف يقوم على رعاية شؤون الناس بالحق والعدل، لذلك لا يمكن بحال من الأحوال فصل الممارسة الانتخابية عن المنظومة الأخلاقية التي تعصم النفوس من الانزلاق نحو الكراهية والتشويه.
إن الأخلاق الإسلامية، بصفائها وعالميتها، تضع للخصومة والمنافسة حدوداً صارمة لا يجوز تخطيها؛ فالمسلم مأمور بالصدق في القول، والأمانة في النقل، والإنصاف مع المخالف، والبعد عن الغيبة والنميمة والبهتان، وفي هذا السياق، تصبح الحملة الانتخابية اختباراً حقيقياً لمدى الالتزام بهذه المبادئ، حيث يجب أن تترفع الألسن عن التجريح، وأن تنأى الأقلام عن التزييف ونشر الشائعات، وأن تحترم كرامة الإنسان أياً كان توجهه وخياره، فالكلمة الطيبة والمجادلة بالتي هي أحسن ليست مجرد شعارات، بل هي واجبات سلوكية تصنع وعي الأمة وتحفظ تماسكها، وإلى جانب ذلك، تأتي القيم الإنسانية المشتركة لتؤكد على قيم الاحترام المتبادل، وقبول الآخر، والحرية و المسؤولية عن الفعل، والمواطنة الصالحة. إن القيادة الحقيقية والتمثيل الصادق للشعوب يظهران في القدرة على إدارة هذا التنوع بكثير من التسامح والنضج، حيث يعرض كل مترشح أو مؤيد برنامجه بقوة وحجة، دون الحاجة إلى التقليل من شأن الآخرين أو تسفيه جهودهم، وإن إرساء ثقافة الحوار الراقي، والتركيز على نقاش الأفكار بدلاً من مهاجمة الأشخاص، هو السبيل الوحيد لجعل المحطات الانتخابية عرساً للديمقراطية، ومناسبة للارتقاء الفكري والاجتماعي.
وفي ختام هذا السياق، يجب على الجميع، من مترشحين وناخبين ووسائل إعلام وصناع رأي، أن يتذكروا دائماً أن الحملات الانتخابية أيام معدودات، تذهب بصخبها وتفاصيلها، وتترك وراءها آثارها إما إيجابية تنمي روح التضامن، أو سلبية تورث الأحقاد والضغائن، وإن الفوز الحقيقي ليس في نيل منصب أو اعتلاء كرسي على حساب تمزيق أواصر الأخوة والمواطنة، بل الفوز الأسمى هو الخروج من هذه التجربة بمجتمع أكثر تلاحماً، وأعمق وعياً، وأشد تمسكاً بقيمه وهويته الأخلاقية. فلنجعل من الاختلاف قوة تثري واقعنا، ولنحارب الخلاف الذي يهدد مستقبلنا، ولتكن أخلاقنا الإنسانية والإسلامية هي القائد والمرشد في كل قول وعمل.
بلوافي عبدالرحمن بن هيبه، المشرف التربوي الرئيسي والباحث والإعلامي والشاعر وإمام الصلوت الخمس المتطوع.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق