العبادات والشعائر هي صلة بين العبد وربه، أما الأخلاق فهي جسر التعامل بين البشر، والتدين الحقيقي ليس ثوباً نرتديه في مواسم العبادة ونخلعه عند أول اختبار مالي أو شخصي، بل هو سلوك حي يتنفس في تفاصيل الحياة اليومية، ولا يُقاس بالمظاهر والطقوس بل يولد وينكشف في معترك الحياة والمنعطفات الحادة التي تتشابك فيها المصالح وتصطدم فيها الرغبات، ومن السهل جداً على أي إنسان أن يتصنع الوقار وهو واقف في محراب صلاة، ومن اليسير أن يظهر سماحة الوجه وهو يجلس في مجالس الذكر والعبادة؛ فهناك الأجواء مهيأة، والنفوس ساكنة، ولا يوجد ما يثير طمعاً أو يوقظ شحاً، لكن الحقيقة تظهر عندما يوضع الإنسان في موقف يملك فيه القوة والقدرة على أخذ ما ليس له دون أن يحاسبه أحد، أو عندما تتداخل حقوقه مع حقوق الآخرين عند تلك النقطة الحرجة التي قد نسميها تقاطع الحقوق، حيث يسقط القناع؛ فإما أن تجد نفساً عفيفة ترد الحق لأصحابه طواعية، وإما أن تجد جشعاً متوارياً خلف قناع من التقوى الزائفة.
ويظل المال هو المحك الأكبر والفيصل الحاسم في كشف مخابئ النفوس، حيث تولد الأخلاق الحقيقية أو تموت في أسواق البيع والشراء، وعند سداد الديون، ومشاركة الأرباح، وفي لغة الدينار والدرهم يتجلى الصدق والأمانة أو يظهر الغش والتدليس، وتتبين المروءة في التجاوز عن المعسر والوفاء بالوعود دون مماطلة، فمن لم يربّه دينه على الأمانة في المعاملة المالية، فإن صلاته وصيامه مجرد طقوس جوفاء لم تتجاوز حنجرته.
ولعل أشد الاختبارات الأخلاقية كشفاً للحقائق هي لحظة توزيع الميراث، ففي هذه اللحظة بالذات، قد تنسى النفوس الضعيفة صلة الرحم، وتختفي عبارات المودة، وتتحول الأخوة إلى خصومة شرسة، ومن يحترم حدود الله ويُعطي كل ذي حق حقه في التركات والمواريث وسط تلك الأطماع، هو الشخص الذي تسكن التقوى قلبه حقاً وبصدق.
كذلك هناك سياقات حياتية ترفع الكلفة وتكشف المستور كالاصطحاب في السفر، ومجاورة المنزل والمصاهرة؛ فالسفر يخرج الإنسان من بيئته المعتادة ويضعه تحت ضغط التعب والحاجة، وهنا تظهر الأثرة أو الإيثار، ويتبين إن كان الشخص صبوراً ومعواناً أم أنانياً ضيق الصدر، والجوار يختبر مدى قدرة الإنسان على كف الأذى وحفظ الأسرار وتقديم العون لجار يرى عيوبه ويسمع تفاصيل حياته، والمصاهرة تظهر معادن الرجال في الرفق، وصون الكرامة، والوفاء بالعهود حين تختلط الأنساب وتُبنى البيوت في السراء والضراء،
وإذا أردت أن تحكم على نبل إنسان حكماً قاطعًاً، فلا تنظر إليه وهو يبتسم لك ويثني عليك، بل راقبه وهو يخاصمك، فالخصومات تفضح متصنعي الأخلاق دائماً. الفاجر في الخصومة هو الشخص الذي إذا اختلف معك، نسي كل فضائلك، وأفشى أسرارك، وافترى عليك بما ليس فيك، واستحل عرضك ومالك، أما الأصيل فتمنعه مروءته ودينه من الفجور؛ يختلف معك بأدب، ويخاصمك بشرف، ويحفظ سرك وأنتما في أوج الخلاف، والنبل الحقيقي هو أن تملك القدرة على الإساءة لخصمك وتختار ترفعاً وعفةً ألا تفعل.
إن المساجد وساحات العبادة هي محطات للتزود بالوقود الروحي، لكن السير الحقيقي والامتحان الفعلي يكون في شوارع الحياة وأسواقها وعلاقاتها، فالدين المعاملة، ومن ركع وسجد ولم ينعكس ذلك طهارة في بيعه وشراه، وعدلاً في خصومته، ووفاءً في عهده، فقد أخطأ الطريق وفهم التدين مقلوباً، لذلك اجعلوا من تعاملاتكم اليومية شاهداً على صدق قلوبكم، فالبشر لا يقرؤون ما في الصدور، بل يزنونكم بما يرون من مواقف وسلوك.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق