تظلّ الذاكرة المحلية للمجتمعات حافلةً بأسماء رجالٍ لم يصنعوا مجدهم بالضجيج، بل صاغوه بحبر التفاني، وعرق الواجب، ونقاء السيرة. ومن بين هذه القامات السامقة التي انطبعت صورتها في وجدان أهل بلدية تمقطن بدائرة أولف في ولاية أدرار، يبرز اسم الضابط السابق للحالة المدنية، السيد لعصب محمد، المعروف بين عامة الناس بلقبه القريب من القلوب "حمو بله". هذا الرجل الذي تسلّم مشعل المسؤولية والأمانة في هذا المرفق الحيوي الهام بعد قامات مشهود لها كبلوافي أمحمد بن هيبه وأوفيان أحمد بن عبدالسلام، فكان خير خلف لخير سلف، وأثبت بحق أن الوظيفة ليست مجرد منصب، بل هي رسالة إنسانية وأخلاقية تتطلب نبلاً في الطبع واستقامة في السلوك.
لقد كان لعصب محمد تجسيداً حيّاً لرجل المبادئ والأخلاق الرفيعة، حيث زاوج في مسيرته المهنية بين التواضع الجم والالتزام الصارم بقيم الدولة والمجتمع، في مكتبه الذي كان شاهداً على عقود من تقييد وتوثيق حياة المواطنين، لم يكن "حمو بله" مجرد موظف إداري يؤدي عملاً روتينياً، بل كان ملاذاً للمستشير، وعوناً للمحتاج، ومثالاً يُحتذى به في الانضباط والتفاني، وكانت الابتسامة تسبق قضاء الحاجة، وكان الترحيب سمته البارزة التي تذيب عناء الانتظار وتزرع الطمأنينة في نفوس القاصدين، جاعلاً من مرفق الحالة المدنية نموذجاً للإدارة في خدمة الشعب.
إن الميزة الكبرى التي طبعت مسيرة هذا الرجل الفاضل، وجعلت اسمه محفوراً بتقدير وإجلال في كل بيت، هي عدالته المطلقة وتجرده التام أثناء أداء مهامه، فلم يكن لعصب محمد يفرق يوماً بين الصغير والكبير، ولا بين الغني والفقير، ولا ينظر إلى الناس من منظار العشيرة أو المحسوبية أمام مكتبه، كان الجميع سواسية في الحقوق والواجبات، تذوب الفوارق الطبقية والاجتماعية لتتجلى روح القانون والعدالة الاجتماعية في أبهى صورها. هذا النبل في التعامل، وهذا التجرد الفذ، أكسبه احترام الخصوم قبل الأصدقاء، وجعل منه مرجعية أخلاقية وصمام أمان يثق فيه الجميع، مدركين أن أوراقهم وحقوقهم في أيدٍ أمينة لا تحابي ولا تظلم.
اليوم، وإذ يُذكر اسم "حمو بله" في مجالس بلدية تمقطن خاصة و أدرار عامة وعموم دائرة أولف، يستحضر الناس سيرة رجل وهب زهرة شبابه وسنوات عمره في سبيل العطاء اللامحدود والتفاني في الواجب المهني. إن هذا الإرث الطيب الذي تركه لعصب محمد لدى عامة الناس، لا يمكن أن يمحوه الزمن؛ فالرجال يرحلون عن مناصبهم لكن أثرهم يظل حياً ينبض في ذاكرة الأجيال. إنه الرمز الذي يُستلهم منه معنى التضحية، والشخصية الوطنية المحلية التي أثبتت أن النزاهة هي العملة الأبقى، وأن خدمة الوطن والمواطن تنطلق أولاً من صدق النية وطهارة اليد، ليبقى هذا الاسم علماً من أعلام الفخر، ومنارة تضيء دروب السائرين على درب الواجب والمسؤولية.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق