إن التاريخ ليس مجرد سردٍ للأيام والشهور، وليس سجلاً محايداً للأحداث؛ بل هو مرآةٌ صقيلة لا تعكس إلا وجوه الصادقين، وغربالٌ دقيق لا يستبقي إلا جواهر الثبات. وفي كل منعطفٍ حاسم من عمر الأمم، يبرز صراعٌ أزليّ بين فئتين: فئةٍ تبيع الوهم وتقتات على التخذيل، وفئةٍ تشتري المجد وتجود بالروح.
أقلام الخيانة.. زيفٌ تذروه الرياح
المرجفون هم عابرون في ظل الحقيقة، يحاولون كتابة التاريخ بأقلامٍ غُمست في حبر الخيانة والوهن. إنهم أولئك الذين إذا اشتدّت الرياحُ مالوا حيث تميل، وإذا نادى منادي البذلِ تواروا خلف جدران التشكيك. سلاحهم الكلمة المثبطة، وهدفهم كسر إرادة الأمة من الداخل.
لكن هيهات؛ فالتاريخ لا يحفل بالجبناء، وصفحاته لا تقبل الحبر الباهت. إن "المرجف" مهما علا ضجيجه، يظل قزماً أمام عظمة الموقف، وتظل كلماته فقاعاتٍ تتبخر حين تشرق شمس الحقيقة. إنهم يكتبون على رمال متحركة، سرعان ما تطمرها أقدام الثابتين، فلا يبقى من ذكرهم إلا الخزي، ولا من أثرهم إلا العار.
مداد العزة.. شموخ الكلمة وصدق العهد
وعلى الضفة الأخرى، يقف الصادقون؛ ملوك الميدان وفرسان الكرامة. الصادق هو من يكتب "مداد عزته" قبل أن يكتبه غيره. مدادُهم ليس حبراً عادياً، بل هو عصارة يقينٍ لا يتزعزع، وإيمانٍ لا يخالطُه شك.
هؤلاء لا يحتاجون إلى استعراض، لأن مواقفهم في ساعات العسرة هي التي تتحدث عنهم. إنهم يبنون للتاريخ صروحاً من الثبات، ويحفرون أسماءهم في وجدان الشعوب بكلماتٍ من نور، لا تزيدها الأيام إلا بريقاً. الصادق يواجه العاصفة بصدرٍ عارٍ ويقينٍ تخرّ له الجبال، فإذا نطق، كانت كلمته فصلاً، وإذا صمت، كان صمته مهابةً وإعداداً.
دماء التضحية.. التوقيع الأخير للخلود
أما التوقيع الأغلى والأبقى في سجل الخلود، فهو ذلك الذي يُكتب بـ "دماء التضحية". إن دماء الشهداء هي "المطبعة" الحقيقية للتاريخ؛ فهي التي تطبع القيم في قلوب الأجيال، وهي التي ترسم حدود الأوطان، وتصون طهر المقدسات.
الشهيد لا يموت؛ بل هو الذي يمنح الحياة لمن خلفه. إنه يكتب بدمه فصلاً لا يُنسى من العزة، ويضع حداً فاصلاً بين زمن الهوان وزمن التحرر. إن قطرة دمٍ واحدة من صادقٍ محتسب، أثقل في ميزان التاريخ من أطنان الكتب التي دبجها المرجفون والمنافقون.
الخاتمة: لمن الغلبة في النهاية؟
إن المعركة بين "قلم الخيانة" و"مداد العزة" هي معركة وعي قبل أن تكون معركة ميدان. والرهان الحقيقي هو ألا تلتفت الأمة لصيحات المرجفين وهي ترى دماء أبطالها تروي شجرة الحرية.
سيذهب المرجفون إلى مزابل التاريخ، تلاحقهم لعنات الخذلان، ويبقى الصادقون والشهداء تيجاناً فوق رؤوس الزمان. فالتاريخ لا يظلم أحداً؛ إنه يُسقط الأقنعة عن الوجوه الكالحة، ويُسكن الأبطال في عليين، لتظل سيرتهم منارةً تهتدي بها الأمة في دياجير الظلام.
"فسلامٌ على من كتبوا بالدمِ ما عجزت عنه المحابر، وسلامٌ على الثابتين حين تزلُّ الأقدام، والخزيُ والندامةُ لكل من باعَ يقينَهُ بشكِّه، وعزَّتَهُ بذلِّه."






































































