الخميس، 1 يناير 2026

مداد العزة ودماء التضحية: ملاحم تكتبها الأفعال لا الأقوال

إن التاريخ ليس مجرد سردٍ للأيام والشهور، وليس سجلاً محايداً للأحداث؛ بل هو مرآةٌ صقيلة لا تعكس إلا وجوه الصادقين، وغربالٌ دقيق لا يستبقي إلا جواهر الثبات. وفي كل منعطفٍ حاسم من عمر الأمم، يبرز صراعٌ أزليّ بين فئتين: فئةٍ تبيع الوهم وتقتات على التخذيل، وفئةٍ تشتري المجد وتجود بالروح.

​أقلام الخيانة.. زيفٌ تذروه الرياح

​المرجفون هم عابرون في ظل الحقيقة، يحاولون كتابة التاريخ بأقلامٍ غُمست في حبر الخيانة والوهن. إنهم أولئك الذين إذا اشتدّت الرياحُ مالوا حيث تميل، وإذا نادى منادي البذلِ تواروا خلف جدران التشكيك. سلاحهم الكلمة المثبطة، وهدفهم كسر إرادة الأمة من الداخل.

​لكن هيهات؛ فالتاريخ لا يحفل بالجبناء، وصفحاته لا تقبل الحبر الباهت. إن "المرجف" مهما علا ضجيجه، يظل قزماً أمام عظمة الموقف، وتظل كلماته فقاعاتٍ تتبخر حين تشرق شمس الحقيقة. إنهم يكتبون على رمال متحركة، سرعان ما تطمرها أقدام الثابتين، فلا يبقى من ذكرهم إلا الخزي، ولا من أثرهم إلا العار.

​مداد العزة.. شموخ الكلمة وصدق العهد

​وعلى الضفة الأخرى، يقف الصادقون؛ ملوك الميدان وفرسان الكرامة. الصادق هو من يكتب "مداد عزته" قبل أن يكتبه غيره. مدادُهم ليس حبراً عادياً، بل هو عصارة يقينٍ لا يتزعزع، وإيمانٍ لا يخالطُه شك.

​هؤلاء لا يحتاجون إلى استعراض، لأن مواقفهم في ساعات العسرة هي التي تتحدث عنهم. إنهم يبنون للتاريخ صروحاً من الثبات، ويحفرون أسماءهم في وجدان الشعوب بكلماتٍ من نور، لا تزيدها الأيام إلا بريقاً. الصادق يواجه العاصفة بصدرٍ عارٍ ويقينٍ تخرّ له الجبال، فإذا نطق، كانت كلمته فصلاً، وإذا صمت، كان صمته مهابةً وإعداداً.

​دماء التضحية.. التوقيع الأخير للخلود

​أما التوقيع الأغلى والأبقى في سجل الخلود، فهو ذلك الذي يُكتب بـ "دماء التضحية". إن دماء الشهداء هي "المطبعة" الحقيقية للتاريخ؛ فهي التي تطبع القيم في قلوب الأجيال، وهي التي ترسم حدود الأوطان، وتصون طهر المقدسات.

​الشهيد لا يموت؛ بل هو الذي يمنح الحياة لمن خلفه. إنه يكتب بدمه فصلاً لا يُنسى من العزة، ويضع حداً فاصلاً بين زمن الهوان وزمن التحرر. إن قطرة دمٍ واحدة من صادقٍ محتسب، أثقل في ميزان التاريخ من أطنان الكتب التي دبجها المرجفون والمنافقون.

​الخاتمة: لمن الغلبة في النهاية؟

​إن المعركة بين "قلم الخيانة" و"مداد العزة" هي معركة وعي قبل أن تكون معركة ميدان. والرهان الحقيقي هو ألا تلتفت الأمة لصيحات المرجفين وهي ترى دماء أبطالها تروي شجرة الحرية.

​سيذهب المرجفون إلى مزابل التاريخ، تلاحقهم لعنات الخذلان، ويبقى الصادقون والشهداء تيجاناً فوق رؤوس الزمان. فالتاريخ لا يظلم أحداً؛ إنه يُسقط الأقنعة عن الوجوه الكالحة، ويُسكن الأبطال في عليين، لتظل سيرتهم منارةً تهتدي بها الأمة في دياجير الظلام.

​"فسلامٌ على من كتبوا بالدمِ ما عجزت عنه المحابر، وسلامٌ على الثابتين حين تزلُّ الأقدام، والخزيُ والندامةُ لكل من باعَ يقينَهُ بشكِّه، وعزَّتَهُ بذلِّه." 


بين ثبات الصادقين وضجيج المرجفين: معركة الوعي واليقين

في غمرة الأحداث العاصفة، وبينما تتقاذف الأممَ أمواجُ الفتن، تنجلي الحقائق وتتمايز الصفوف، فلا يبقى في الميدان إلا من كان إيمانه كالجبال الراسيات. إننا نعيش زمناً اشتد فيه صخب الباطل، وكثر فيه الخوالف، وأصبح التمييز فيه بين "صوت الحق الهادئ" و"ضجيج المرجفين السامّ" ضرورةً لا غنى عنها لمن أراد السلامة لفكره ودينه.

​المرجفون.. معاول الهدم وبذور الخذلان

​لقد رسم القرآن الكريم صورة دقيقة لهؤلاء الذين ارتضوا لأنفسهم دور "المثبطين"؛ فهم قوم لا يظهرون إلا في أوقات الشدة، لا ليشدوا من أزر الأمة، بل ليزيدوا الجراح نزفاً. سلاحهم الكلمة المسمومة، وهدفهم بث الوهن في النفوس.

​يقول الله تعالى في وصف أثرهم التخريبي: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾. إنهم يسعون بالفتنة، وينشرون الإشاعات بدافع الجبن أو النفاق، فإذا جاءهم أمر من الأمن أذاعوا به استكباراً، وإذا حلّ الخوف طاروا به تخذيلاً: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾.

​الصادقون.. صمتُ الأفعال وشموخ الجبال

​وفي مقابل هذا الضجيج الأجوف، يقف طابور الصادقين؛ أولئك الذين لا يبيعون الوهم، ولا يتاجرون بالشعارات. الصادقون هم الذين غادروا مربع الكلام إلى ميادين الفعل، فكان صمتهم هيبة، وثباتهم منهجاً.

​هؤلاء هم الذين عاهدوا الله بصدق، فلم تغيرهم الأيام، ولم تفتنهم المغانم، ولم ترهبهم التهديدات. وصفهم رب العزة في آيةٍ هي وسام على صدر كل حر: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾. هم باقون على العهد، راسخون على المبدأ، ينتظرون إحدى الحسنيين بقلوب مطمئنة.

​الشهادة.. رحلة الخلود ومقام التشريف

​أما الذين اصطفاهم الله ليكونوا شهداء، فقد انتقلوا من ضيق الدنيا إلى سعة الخلد. الشهداء ليسوا مجرد أرقام في ذاكرة الموت، بل هم طاقة حياة تمد الأمة بالعزة. هم أحياء عند ربهم، ينعمون بفيض كرمه: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾.

​لقد لخص النبي ﷺ عظمة هذا المقام حين قال: «ما من أحدٍ يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا وله ما على الأرض من شيء، إلا الشهيد، يتمنى أن يرجع فيُقتل عشر مرات لما يرى من الكرامة». إنها الكرامة التي تجعل الموت في سبيل الحق أغلى من الحياة في ظلال الهوان.

​الخاتمة: سيرة الأبطال هي الباقية

​سيسقط المرجفون عند أول منعطف حقيقي، وستذرو الرياح كلماتهم المسمومة كما تذرو الهباء، ولن يبقى في صفحات التاريخ إلا مداد العلماء ودماء الشهداء وثبات الصادقين. إن الأبطال وإن غابوا عن العيون بأجسادهم، فهم حاضرون في وجدان الأمة، يقودون بذكراهم قوافل القادمين نحو النصر.

​اللهم تقبل الشهداء في عليين، واربط على قلوب الصادقين ببرد اليقين، واكفِ الأمة شر المرجفين وكيد المنافقين، واجعل كيدهم في نحورهم، وانصر الحق وأهله في كل زمان ومكان. 


في وداع الفارس.. تأبينية "أبو عبيدة"

بقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره، وبنفوس يملؤها الصبر والاحتساب، نودع اليوم قامةً تركت خلفها أثرًا لا يمحى، وصوتًا ظل يتردد في الآفاق عزةً وشموخًا، لقد رحل أبو عبيدة جسدًا، لكنه بقي في القلوب رمزًا للإرادة والثبات.

​مسيرة العطاء واليقين

​لم يكن "أبو عبيدة" مجرد اسم، بل كان مدرسة في الصدق والإخلاص، عاش حياته حاملًا همّ أمته، باحثًا عن رفعتها، ثابتًا على مبادئه في زمن المتغيرات، عُرف فيه الصمت الحكيم حينًا، والكلمة الفصل حينًا آخر، فكان نعم السند ونعم القدوة.

​عزاء الروح

​إننا إذ ننعاه اليوم، لا نقول إلا ما يرضي ربنا: "إنا لله وإنا إليه راجعون". وعزاؤنا الوحيد هو ما تركه من سيرة عطرة، وتاريخ حافل بالمواقف التي لا تُنسى، وجيلٍ تعلم منه أن الكرامة لا تُشترى، وأن الحق لا يضيع ما دام وراءه مُطالب.

​"رحم الله أبا عبيدة، وجعل مأواه الفردوس الأعلى، وأسكنه فسيح جناته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً."

​دعاء الختام

​اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعفُ عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واجعل قبره روضة من رياض الجنة. اللهم ألهم أهله ومحبيه الصبر والسلوان، واجمعنا به في مستقر رحمتك مع سيد الأنام، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

​والحمد لله رب العالمين.


ترتيلة الوداع الأخير: سلامٌ على الحنجرة التي أربكت عروش الظلام

بقلوب يملؤها اليقين، وبنفوسٍ تأبى الانكسار رغم مرارة الفقد، نودع اليوم فارساً ترجل عن صهوة الكلمة ليحلّق في رحاب الخلود، نودع "أبا عبيدة"، الذي لم يكن مجرد صوتٍ عبر الأثير، بل كان زلزالاً هزّ ضمائر الغافلين، ونبراساً أضاء طريق الكرامة في أحلك ليالي الأمة سواداً.

​أولاً: الحنجرة التي لم تنطق إلا بالحق

​سلامٌ على ذلك الصوت الذي خرج من قلب الحصار ليحاصر القتلة بكلماته، لقد كانت حنجرة "أبي عبيدة" مدرسةً في العزة؛ لم تداهن، لم تساوم، ولم تعرف لغة الانكسار، نطق بالحق حين سكت الكثيرون، وصال بكلماته في ميادين العز يوم أن جفّت الأقلام، فكان صوته هو "بأس الأمة" الذي يُسمع، ويقينها الذي لا يتزعزع.

​ثانياً: خيار الكرامة ومسيرة الشهداء

​لقد اختار أبو عبيدة ورفاقه طريقاً لا يسلكه إلا من باع الدنيا واشترى الآخرة، طريق الكرامة الذي يُعبد بالتضحيات ويُسقى بدماء الأطهار، لم يكن غيابه انطفاءً، بل هو شعلةٌ جديدة تضاف إلى سِجلّ الخالدين، إنهم رجالٌ عرفوا أن الأعمار تُقاس بالمواقف لا بالسنين، فصاروا بجهادهم تاريخاً يُدرس، وبثباتهم جبالاً لا تطالها رياح الهزيمة.

​ثالثاً: رحاب الفردوس.. وعد الله الحق

​نقف اليوم واثقين بوعد الله، قائلين: رحم الله أبا عبيدة، وجعل مأواه الفردوس الأعلى، فما عند الله خيرٌ وأبقى، وهنيئاً له هذا المقام الرفيع في مقعد صدقٍ عند مليك مقتدر، حيث السكينة التي لا تنتهي، وحيث الرفقة التي تشرأب لها الأعناق؛ مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً.

​رابعاً: فلسطين.. يقين التحرير المستمر

​سلامٌ على فلسطين التي أنبتت هذا الصمود، وسلامٌ على الأرض التي احتضنت هذه الهامات، إن رحيل الأجساد لا يعني توقف المسير؛ فدماء الشهداء هي الوقود الذي يشعل قناديل النصر، وكلمات "أبي عبيدة" ستظل محفورة في وجدان كل ثائر، تذكرنا أن الحق يُنتزع ولا يُستجدى، وأن فجر التحرير آتٍ لا محالة، تلوح بشائره فوق مآذن القدس وأسوارها.

​ختاماً..

اللهم اغفر له وارحمه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، اللهم اجعل ما قدمه لأمته ودينه في ميزان حسناته، وألهم أهله ورفاقه ومحبيه صبراً كصبره، ويقيناً كيقينه.

​سلامٌ عليه في الخالدين، وسلامٌ على فلسطين حتى التحرير، وحتى يرتفع نداء النصر فوق كل شبر من أرضها الطاهرة.

​والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.  


عقيدةُ الصوتِ وخلودُ الأثر: أبو عبيدة ومدرسةُ الصمود

في زمن الانكسارات الكبرى، حين تاهت البوصلة وارتبكت المعاني، برز من قلب الركام صوتٌ لا يشبه الأصوات، وعنوانٌ أعاد ترتيب الوعي الجمعي للأمة أبو عبيدة؛ ليس مجرد ناطقٍ عسكري يتلو البلاغات، بل هو تجلٍّ لمرحلةٍ كاملة، وضميرٌ حيٌّ استنهض في القلوب إيماناً بأن الحق لا يموت ما دام وراءه مُطالب، وأن القوة ليست في لمعان السلاح وحسب، بل في "عقيدة السلاح".

​أولاً: مدرسة القسام.. المنهج لا يُغتال

​تُعلمنا مدرسة القسام يوماً بعد يوم أنَّ الرجال فيها فِكرة، والفكرة لا تموت في هذا النهج، لا يُختزل النضال في شخص، ولا تسقط الراية برحيل قائد؛ فالبناءُ قائمٌ على "المؤسسية الجهادية" التي تجعل لكل أبي عبيدةٍ خليفة، ولكل ثغرٍ حارساً. إنها مسيرةٌ واضحة الهدف، ثابتة العقيدة، لا تُساوم في سوق المزايدات، ولا تنحني أمام موازين القوة الزائفة.

​"الرجال لا يموتون ما دامت القضايا حية، والمناهج لا تُغتال بغياب الأجساد؛ فالأثرُ باقٍ، والمسيرُ مستمرٌّ بصدق القضية وتراكم التضحيات."

​ثانياً: ما وراء الغياب.. الشهادة حياةٌ ممتدة

​حين نتحدث عن التضحية، لا بد أن نستحضر البُعد الغيبي الذي يغذي هذا الصمود الأسطوري، فالمقاوم لا يرى في الموت نهاية، بل يراه معراجاً نحو حياةٍ أسمى وأبقى، وكما أخبرنا الصادق المصدوق ﷺ عن شهداء أُحد، فإن أرواح هؤلاء الأبطال لا تواريها التراب، بل هي:

​في جوف طيرٍ خُضر: تسرح في رياض الجنة.

​تأوي إلى قناديل ذهبية: تحت ظل العرش العظيم.

​تُرزق وتستبشر: وتتمنى لو تنقل للباقين طِيب مقامها لكيلا يزهدوا في التحرير ولا يهابوا الردى.

​هذا الاتصال بين الأرض والسماء هو الذي يجعل المقاتل الفلسطيني يقف شامخاً؛ فالله عز وجل هو الذي تولى إخبارنا بحالهم حين أنزل: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ}.

​ثالثاً: فلسطين.. يقينُ التحرير

​إن ما كان يصنعه "أبو عبيدة" وما يصنعه ورفاقه اليوم هو كتابة التاريخ بمدادٍ من العزّة، فلسطين باقيةٌ بأهلها المرابطين، وبمقاومتها التي تؤمن أن التحرير ليس لحظة عاطفية عابرة، بل هو صبرُ رجالٍ عرفوا الطريق فساروا فيه حتى النهاية.

​ختاماً..

سلامٌ على الحناجر التي لم تنطق إلا بالحق، وسلامٌ على الأيدي القابضة على الجمر، وسلامٌ على أرواح الشهداء التي تُرفرف فوق القدس، تبشرنا بأن الفجر قريب، وأن طريق الكرامة وإن طال، فهو الطريق الوحيد نحو الحرية.

رحم الله أبو عبيدة وأسكنه فسيح جنته مع النبئين والصديقين و الشهداء والصالحين وحسن أولئك رفقا والحمدلله رب العالمين، وصل الله على سيدنا محمد وعلى أله وصحبه أجمعين.  



منارة العلم وصدى الحق: في ذكرى رحيل العلامة الشيخ برمكي الحاج محمد العلماء الربانيون لا يموتون بمواراة أجسادهم الثرى، بل يخلدون بعلمهم وأثرهم. ​في مثل هذا اليوم، الحادي والثلاثين من ديسمبر، انطفأت شعلة من شعل العلم، وترجل فارس من فرسان المنبر، ليبقى صدى صوته يتردد في أروقة الذاكرة ووجدان الأمة. إننا اليوم لا نحيي ذكرى وفاة عادية، بل نستحضر مسيرة رجلٍ اختصر حياته في كلمتين: القرآن والسنة. ​حياةٌ في رحاب الوحيين ​لم يكن الشيخ برمكي الحاج محمد مجرد مدرسٍ عابر، بل كان مدرسةً متنقلة وفطرةً جُبلت على حب الله ورسوله. أفنى عمره المبارك يغرس في الصدور آيات الذكر الحكيم، ويشرح ببيانه الواضح دقائق السنة النبوية، محولاً النصوص الجامدة في أذهان البعض إلى منهج حياة نابض بالروح والعمل. ​كان رحمه الله يؤمن أن تعليم القرآن ليس مجرد تلقينٍ للحروف، بل هو بناءٌ للعقول والأرواح؛ لذا تجلى في دروسه "الشيخ المربي" الذي لم يكتفِ بنقل المعلومة، بل صاغ الشخصية المسلمة المتزنة، فكان لتلاميذه والداً رحيماً، ومعلماً حازماً، وقدوةً يقتفى أثرها. ​الصدع بالحق: نهجٌ لا يحيد ​تميز الشيخ "برمكي" بصفةٍ كادت تعز في أزمان الفتن، وهي الصدع بكلمة الحق. لم تأخذه في الله لومة لائم، ولم يكن يداهن في دين الله أو يجامل على حساب العقيدة والمنهج. كان لسان حاله دوماً الانحياز لما يرضي الخالق، مهما كانت التحديات. هذه الشجاعة الإيمانية هي التي منحت دروسه تلك الهيبة، وجعلت لكلماته نفاذاً إلى القلوب قبل الآذان. ​مفسر القرآن ومحيي السنة ​لقد برع الشيخ في تقريب معاني القرآن الكريم وتفسيره للعامة والخاصة بأسلوبٍ يجمع بين الرصانة العلمية والبساطة الدعوية. أما السنة النبوية، فقد كان حارسها الأمين في منطقته، يذب عنها الشوائب، وينشر أنوارها في بيوت المسلمين، فكان بحق خادماً للنص الشريف ومعلماً لمقاصد الشريعة الغراء. ​"إن العلماء لا يموتون ما دام علمهم يُنتفع به، والشيخ برمكي الحاج محمد ترك خلفه جيلاً من حملة القرآن، وصدقة جارية من العلم النافع الذي لا ينقطع أثره." ​الختام: عهد الوفاء ​توفي الشيخ في 31 ديسمبر 1985، لكنه ترك خلفه إرثاً لا تبيله الأيام. إن أفضل وفاء لهذا العالم الجليل ليس فقط في ذكره والترحم عليه، بل في إحياء النهج الذي عاش من أجله: تمسكاً بالقرآن، وعملاً بالسنة، وصدعاً بالحق. ​رحم الله الشيخ العلامة برمكي الحاج محمد رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً. جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، وبارك في ذريته وتلاميذه ومحبيه إلى يوم الدين.

العلماء الربانيون لا يموتون بمواراة أجسادهم الثرى، بل يخلدون بعلمهم وأثرهم.

​في مثل هذا اليوم، الحادي والثلاثين من ديسمبر، انطفأت شعلة من شعل العلم، وترجل فارس من فرسان المنبر، ليبقى صدى صوته يتردد في أروقة الذاكرة ووجدان الأمة. إننا اليوم لا نحيي ذكرى وفاة عادية، بل نستحضر مسيرة رجلٍ اختصر حياته في كلمتين: القرآن والسنة.

​حياةٌ في رحاب الوحيين

​لم يكن الشيخ برمكي الحاج محمد مجرد مدرسٍ عابر، بل كان مدرسةً متنقلة وفطرةً جُبلت على حب الله ورسوله. أفنى عمره المبارك يغرس في الصدور آيات الذكر الحكيم، ويشرح ببيانه الواضح دقائق السنة النبوية، محولاً النصوص الجامدة في أذهان البعض إلى منهج حياة نابض بالروح والعمل.

​كان رحمه الله يؤمن أن تعليم القرآن ليس مجرد تلقينٍ للحروف، بل هو بناءٌ للعقول والأرواح؛ لذا تجلى في دروسه "الشيخ المربي" الذي لم يكتفِ بنقل المعلومة، بل صاغ الشخصية المسلمة المتزنة، فكان لتلاميذه والداً رحيماً، ومعلماً حازماً، وقدوةً يقتفى أثرها.

​الصدع بالحق: نهجٌ لا يحيد

​تميز الشيخ "برمكي" بصفةٍ كادت تعز في أزمان الفتن، وهي الصدع بكلمة الحق. لم تأخذه في الله لومة لائم، ولم يكن يداهن في دين الله أو يجامل على حساب العقيدة والمنهج. كان لسان حاله دوماً الانحياز لما يرضي الخالق، مهما كانت التحديات. هذه الشجاعة الإيمانية هي التي منحت دروسه تلك الهيبة، وجعلت لكلماته نفاذاً إلى القلوب قبل الآذان.

​مفسر القرآن ومحيي السنة

​لقد برع الشيخ في تقريب معاني القرآن الكريم وتفسيره للعامة والخاصة بأسلوبٍ يجمع بين الرصانة العلمية والبساطة الدعوية. أما السنة النبوية، فقد كان حارسها الأمين في منطقته، يذب عنها الشوائب، وينشر أنوارها في بيوت المسلمين، فكان بحق خادماً للنص الشريف ومعلماً لمقاصد الشريعة الغراء.

​"إن العلماء لا يموتون ما دام علمهم يُنتفع به، والشيخ برمكي الحاج محمد ترك خلفه جيلاً من حملة القرآن، وصدقة جارية من العلم النافع الذي لا ينقطع أثره."

​الختام: عهد الوفاء

​توفي الشيخ في 31 ديسمبر 1985، لكنه ترك خلفه إرثاً لا تبيله الأيام. إن أفضل وفاء لهذا العالم الجليل ليس فقط في ذكره والترحم عليه، بل في إحياء النهج الذي عاش من أجله: تمسكاً بالقرآن، وعملاً بالسنة، وصدعاً بالحق.

​رحم الله الشيخ العلامة برمكي الحاج محمد رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً. جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، وبارك في ذريته وتلاميذه ومحبيه إلى يوم الدين.  






الأربعاء، 31 ديسمبر 2025

مِنَصَّةُ "أُرِيد": مَنَارَةُ الْعِلْمِ وَجِسْرُ الْعُلَمَاءِ نَحْوَ الرِّيَادَةِ الْأَكَادِيمِيَّةِ ​

 بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى أَشْرَفِ الْمُرْسَلِينَ، سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.

​عُنْوَانُ كَلِمَةٍ فِي الْمُلْتَقَى:

مِنَصَّةُ "أُرِيد": مَنَارَةُ الْعِلْمِ وَجِسْرُ الْعُلَمَاءِ نَحْوَ الرِّيَادَةِ الْأَكَادِيمِيَّةِ

​فِي عَصْرٍ يَتَسَارَعُ فِيهِ تَدَفُّقُ الْمَعْلُومَاتِ، وَتَتَلَاحَقُ فِيهِ الْقَفَزَاتُ الْعِلْمِيَّةُ، تَبْرُزُ مِنَصَّةُ "أُرِيد" كَضَرُورَةٍ حَضَارِيَّةٍ لَا غِنَى عَنْهَا، لِتَكُونَ الْبَيْتَ الْجَامِعَ وَالْوَطَنَ الرَّقْمِيَّ لِلْعُلَمَاءِ وَالْخُبَرَاءِ، وَالْبَاحِثِينَ النَّاطِقِينَ بِلُغَةِ الضَّادِ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا.

​مِنَصَّةُ "أُرِيد" لَيْسَتْ مُجَرَّدَ مَوْقِعٍ إِلِكْتُرُونِيٍّ، بَلْ هِيَ اللَّبِنَةُ الْأُولَى فِي صَرْحٍ مُؤَسَّسِيٍّ شَامِخٍ؛ مُؤَسَّسَةِ "أُرِيد" الَّتِي وُلِدَتْ فَتِيَّةً قَوِيَّةً، تَشُقُّ طَرِيقَهَا نَحْوَ التَّقَدُّمِ وَالِازْدِهَارِ بِثَبَاتِ الْكِبَارِ وَبِطُمُوحٍ يُعَانِقُ السَّمَاءَ. إِنَّ مِنَصَّةَ أُرِيد الْيَوْمَ تُمَثِّلُ الْمِنَصَّةَ الرَّائِدَةَ فِي تَكْرِيسِ ثَقَافَةِ الْبَحْثِ الْعِلْمِيِّ الرَّصِينِ، وَتَعْزِيزِ أَوَاصِرِ التَّوَاصُلِ الْمَعْرِفِيِّ بَيْنَ الْعُقُولِ الْمُبْدِعَةِ، مُحَطِّمَةً بِذَلِكَ كُلَّ الْعَوَائِقِ الْجُغْرَافِيَّةِ لِتَجْمَعَ شَتَاتَ الْعُلَمَاءِ وَالْخُبَرَاءِ وَالْبَاحِثِينَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ.

​وَالْيَوْمَ نَقِفُ وَقْفَةَ إِجْلَالٍ وَتَقْدِيرٍ لِكُلِّ الْأَيْدِي الْبَيْضَاءِ وَالْعُقُولِ النَّيِّرَةِ الْقَائِمَةِ عَلَى هَذَا الْمَشْرُوعِ الْمُبَارَكِ، وَنَتَقَدَّمُ بِتَحِيَّةٍ مِلْؤُهَا الْفَخْرُ لِلْقَائِمِينَ عَلَى مُؤَسَّسَةِ أُرِيد وَفُرُوعِهَا، وَالَّذِينَ سَخَّرُوا طَاقَاتِهِمْ لِتَكُونَ هَذِهِ الْمِنَصَّةُ شُعْلَةً تُنِيرُ طَرِيقَ الْبَاحِثِينَ، وَتُقَدِّمُ لَهُمْ فَيْضاً مِنَ الْمَعْلُومَاتِ وَالْخِبْرَاتِ الَّتِي لَا تَكْتَفِي بِتَطْوِيرِ الْبَحْثِ الْعِلْمِيِّ فَحَسْبُ، بَلْ تَمْتَدُّ لِتُنِيرَ الدَّرْبَ نَحْوَ حَيَاةٍ أَفْضَلَ وَمُسْتَقْبَلٍ أَكْثَرَ إِشْرَاقاً لِأُمَّتِنَا.

​إِنَّ مِنَصَّةَ أُرِيد الْيَوْمَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ مِنَصَّةٍ لِلتَّوَاصُلِ، بَلْ هِيَ مَشْرُوعُ نَهْضَةٍ يُعِيدُ لِلْعِلْمِ الْعَرَبِيِّ مَكَانَتَهُ، وَلِلْعَالَمِ الْعَرَبِيِّ هَيْبَتَهُ الْمَعْرِفِيَّةَ، وَمَعَ كُلِّ خُطْوَةٍ تَخْطُوهَا هَذِهِ الْمُؤَسَّسَةُ الْفَتِيَّةُ، نَرَى فِيهَا بَصِيصَ الْأَمَلِ الَّذِي يَتَحَوَّلُ إِلَى وَاقِعٍ مَلْمُوسٍ مِنَ النَّجَاحَاتِ وَالتَّمَيُّزِ.

​خِتَاماً..

أُزْجِي خَالِصَ التَّمَنِّيَاتِ لِمُؤَسَّسَةِ "أُرِيد" بِكُلِّ فُرُوعِهَا بِمَزِيدٍ مِنَ الرُّقِيِّ، وَالتَّقَدُّمِ، وَالِازْدِهَارِ. وَشُكْراً لِجَمِيعِ الْحُضُورِ عَلَى طِيبِ الْإِصْغَاءِ وَحُسْنِ الِاسْتِمَاعِ، سَائِلًا اللَّهَ أَنْ يُبَارِكَ فِي الْجُهُودِ، وَيَجْعَلَ هَذَا الْعَمَلَ فِي مِيزَانِ الْحَسَنَاتِ.

​وَالسَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ.  













 

الثلاثاء، 30 ديسمبر 2025

حفصة باسيدي قلم ذهبي من أدرار يتربع على عرش الكتابة في الجزائر

في إنجاز أدبي وتربوي يعكس نضج الجيل الصاعد وتميزه، استطاعت التلميذة "باسيدي حفصة" أن تخطف الأضواء وتتوج بالمرتبة الأولى وطنياً في مسابقة كتابة المقال، مهديةً بذلك فخراً جديداً لقطاع التربية ولولاية أدرار، ولم يمر هذا التألق مرور الكرام، حيث قدم مدير التربية خالص التهاني وأسمى عبارات التقدير للتلميذة المتفوقة، واعتبر المدير أن فوز حفصة هو ثمرة اجتهاد شخصي ودعم أسري متواصل، مشيداً بالدور المحوري الذي لعبته عائلتها الكريمة في تهيئة بيئة النجاح، ​كما خصّ المدير بالذكر طاقم متوسطة علي بن أبي طالب، من إدارة وأساتذة، معتبراً إياهم الجندي الخفي وراء هذا التميز، دون نسيان الدور الفعال  للجان التقييم الولائية التي سهرت على مرافقة المواهب وتوجيهها حتى بلوغ منصة التتويج الوطنية، ​وفي لفتة تعكس اهتمام الدولة بالنوابغ، حظيت التلميذة حفصة بتكريم خاص من وزارة التربية قدم لها من طرف رئيس المجلس الآعلى للغة العربية، وذلك تزامناً مع الاحتفالات بشهر اللغة العربية، هذا التكريم لم يكن مجرد احتفاء بجائزة، بل تقديراً للغة العربية وقدرة الجيل الجديد على تطويعها ببراعة في فن المقال، و​بعد هذا الإنجاز الوطني المشرف، تتجه الأنظار الآن نحو المشاركة الدولية، حيث يُعلق الجميع آمالاً كبيرة على التلميذة حفصة لتمثيل الجزائر أحسن تمثيل، فالموهبة التي أظهرتها في صياغة الأفكار وبناء المقال تجعل منها سفيرة فوق العادة للأدب المدرسي الجزائري في المحافل الدولية، ويعد نجاح حفصة هو رسالة لكل تلميذ مجتهد بأن التفوق يبدأ من شغف القراءة وينتهي على منصات التتويج. ​كل التمنيات لابنة أدرار خاصة و الجزائر عامة، باسيدي حفصة، بمزيد من التألق والنجاح في مسارها الدراسي والأدبي، لتظل شعلة تضيء سماء الإبداع الوطني. 


مدرسة علي بن أبي طالب للقرآن برقان تنظم ملتقاها الحادي عشر

تحت إشراف فضيلة الشيخ الحاج عبد الكريم الدباغي، احتضنت المدرسة القرآنية الداخلية "علي بن أبي طالب" ببلدية رقان، فعاليات الملتقى السنوي الحادي عشر للطلاب، والذي جاء هذا العام تحت شعار: "أنتم أعلم بشؤون دنياكم"، ​تناول الملتقى موضوعاً فقهياً واجتماعياً بالغ الأهمية وسم بـ "العرف.. حجيته وأثره في الأحكام والفتوى"، بمشاركة واسعة لنخبة من الأساتذة، الباحثين، ومشايخ المدارس القرآنية الذين توافدوا من مختلف ولايات الوطن، وركز المشاركون في مداخلاتهم على عدة نقاط جوهرية أبرزها، تأصيل حجية العرف كدليل شرعي في استنباط الأحكام، ودور العرف في مراعاة خصوصيات المجتمع عند صياغة الفتوى، والربط بين النص الشرعي والواقع العملي بما يحقق مقاصد الشريعة، ​وأكد القائمون على الملتقى أن اختيار هذا الموضوع يهدف إلى تزويد طالب العلم بالأدوات الفقهية اللازمة لفهم المتغيرات الاجتماعية، مشيرين إلى أن مدرسة "علي بن أبي طالب" تسعى من خلال هذه الطبعة إلى ترسيخ قيم الوسطية والاعتدال والاجتهاد الرصين، ​واختتمت الأشغال بجلسات نقاشية ثرية جمعت بين جيل الشيوخ والطلبة والباحثين، وسط إشادة كبيرة بالدور العلمي والتربوي الذي تؤديه المدرسة في المنطقة.   




أدرار تُسدل الستار على أيامها الأدبية: احتفاء بالإبداع وتكريم لصنّاع الكلمة

اختُتمت مساء يوم الاثنين 29 ديسمبر 2025،  فعاليات "أيام أدرار الأدبية" في طبعتها الثانية، والتي احتضنتها الولاية في الفترة الممتدة من 27 إلى 29 ديسمبر 2025، وقد شهد حفل الاختتام أجواءً ثقافية بهيجة عكست النجاح الكبير الذي حققته التظاهرة، مؤكدة مكانة أدرار كحاضنة فاعلة للحراك الأدبي والفكري في الجزائر، ولم يكن الحفل الختامي مجرد مراسيم بروتوكولية، بل شكّل "لحظة وفاء" بامتياز،  خُصصت لتكريم كوكبة من الأساتذة والكتّاب والنقاد الذين أثروا جلسات الأيام بطروحاتهم العلمية وإبداعاتهم الأدبية، وشملت قائمة المكرمين أسماء وازنة في المشهد الثقافي، وهم ​في النقد والفكر كرومي لحسن، مصطفى منصوري، مويسي بوسماحة، وليد خضور، فيصل حصيد، جلال الدين سماعن، وعبد الحفيظ بن جلولي، وفي الجمع بين النقد والرواية، اليامين بن تومي وعبد القادر ضيف الله، و​في الشعر والترجمة، ميلود حكيم، إيزة عبد الحميد (قاص وشاعر)، عيسى ماروك (شاعر وناقد)، ومبسوط محمد عبد المجيد، ​وإيماناً من المنظمين بأهمية تمرير الخبرات للأجيال الصاعدة، حظي مؤطرو الورشات التكوينية بتكريم خاص؛ حيث تم تكريما الدكتور فيصل الأحمر، تقديراً لدوره التأطيري في "ورشة الكتابة السردية"، و​الأستاذ محمد بورحلة، عرفاناً بما قدمه في "ماستر كلاس الكتابة المسرحية"، والذي فتح آفاقاً جديدة للمشاركين من خلال خبرته المسرحية الطويلة، ​وفي خطوة تجسد البعد التكويني للتظاهرة، وُزعت في ختام الحفل شهادات تربص على الشباب المشاركين في مختلف الورشات، وقد أجمع الحضور على أن هذه المبادرة تساهم في ترسيخ تقاليد ثقافية تمزج بين المعرفة الأكاديمية والممارسة الإبداعية، مما يضمن استمرارية الفعل الأدبي وتطوير المواهب الشابة، وبهذا الختام، تكرّس "أيام أدرار الأدبية" نفسها كواحدة من أهم المواعيد الثقافية الوطنية، ضاربةً موعداً جديداً مع الإبداع في طبعات قادمة، بعد أن نجحت في تحويل أدرار إلى قبلة للمثقفين والمبدعين من كل حدب وصوب.     





مرافئ الطمأنينة: في رحاب الصبر والشكر والذكر

الصبر والشكر وذكر الله، هذه الكلمات ليست مجرد عبارات عابرة، بل هي دستور الحياة المطمئنة وأعمدة السعادة الثلاثة، ​في معترك هذه الحياة المليئة بالصعاب والمتغيرات، يجد الإنسان نفسه في بحث دائم عن مرسى للأمان وبابٍ للسعادة. ولن يجد مفتاحاً أصدق من تلك الثلاثية المقدسة: صبرٌ جميل، وشكرٌ جزيل، وذكرٌ جليل.

​أولاً: الصبر.. مفتاح الأبواب المغلقة

​الصبر ليس مجرد انتظار، بل هو "فن الأمل" حين تضيق السبل. هو القوة الخفية التي تجعلنا نقف شامخين أمام رياح الأقدار. حين تصبر، أنت لا تستسلم للواقع، بل تعلن ثقتك بمقدّر الأرزاق.

​تذكر دائماً: أن أشدّ الساعات ظلمة هي تلك التي تسبق الفجر، وأن أبواب السعادة التي استعصت طويلاً، لا تُفتح إلا لمن امتلك "مفتاح الصبر" الذي لا ينكسر.

​ثانياً: الشكر.. حارس النعم وسر زيادتها

​إن السعادة لا تأتي بامتلاك ما لا نملك، بل بتقدير ما نملك بالفعل. الشكر هو الاعتراف بجميل العطاء، وهو القيد الذي يحفظ النعم من الزوال.

حين تشكر، أنت تفتح قناةً لا تنقطع من العطاء الإلهي، فالممتنون هم وحدهم من يرون الجمال في أبسط الأشياء، ومن يرزقهم الله البركة في القليل قبل الكثير. بالشكر، تتحول النعمة العابرة إلى مقامة دائمة.

​ثالثاً: ذكر الله.. واحة القلوب المتعبة

​في ضجيج الحياة وصخبها، تتوه النفوس وتضطرب المشاعر، ولا تجد الروح سكينتها إلا بالعودة إلى خالقها. ذكر الله هو "البلسم" الذي يضمد جراح القلق، و"النور" الذي يبدد ظلمات الحيرة.

حين يلهج اللسان بذكر الله، ينعكس ذلك طمأنينةً في أعماق القلب، فتصبح المحن منحة، والضيق سعة. فكيف يحزن من كان رفيقه الخالق، وكيف يضطرب من استند إلى الركن الشديد؟

​ختاماً:

اجعل من الصبر درعك، ومن الشكر ديدنك، ومن ذكر الله أنيسك؛ حينها فقط، ستدرك أن السعادة ليست وجهة نصل إليها، بل هي "طريق" نعبده بهذه اليقينيات الثلاث.  


نداء الحق يقول الفجر آتٍ لا محالة والصدق ينتصر على الكذب

أيها الشرفاء..

قفوا بثبات، وانظروا بقلوبكم قبل عيونكم إلى ساحة الصراع الكبرى! لا يغرنكم زبد الباطل وهو يعلو، ولا يرهبكم صوت الظلم وهو يزمجر. ففي قانون السماء والأرض، لم يخلد كذبٌ قط، ولم ينهزم صدقٌ أبداً.

​يا من تحملون الأخلاق السامية درعاً..

إن حقد القلوب الضيقة سينفجر في صدور أصحابه، وسعة صدوركم هي المدى الذي سيحتوي النصر قريباً. أتظنون أن الظالم يربح؟ كلاً! فكل صرخة مظلوم هي مسمار في نعش الطغيان، وكل فكر متفتح هو شعاع نور يمزق ظلمات التزمت والتوحش.

​ختاماً..

ليعلم العالم أجمع، أن المعركة وإن طالت، فإن راية الحق هي التي ستخفق في العلياء. انتصروا لصدقكم، وتمسكوا بسمو أخلاقكم، فأنتم الغالبون بيقين الحقيقة، وأنتم الباقون بطهر السريرة. إن الفجر لا يستأذن أحداً ليبزغ، وكذلك الحق.. سينتصر!  


النضج المؤسسي والمهني في عبقرية إدارة الاختلاف

إن الرقي الحقيقي في ميدان العمل والحياة لا يُقاس بمدى قدرتنا على إحاطة أنفسنا بـ "نسخ مكررة" منا، بل يتجلى في تلك المرونة الفائقة التي تجعلنا نبني جسوراً فوق فجوات التباين. فالاختلاف ليس عائقاً، بل هو المادة الخام للإبداع إذا ما أُحسن صهرها في بوتقة الهدف الواحد.

​1. وهم التشابه وفخ "الأذواق"

​كثيرون يقعون في فخ "الارتياح للشبه"، فيبحثون عمن يشبههم في الرأي، والمزاج، وطريقة التفكير. لكن الحقيقة المرة هي أن التشابه المطلق يولد ركوداً؛ فالفريق الذي يفكر أعضاؤه جميعاً بنفس الطريقة، هو فريق يمتلك "عقلاً واحداً" وعشرة أجساد زائدة، و​النجاح لا يُصنع بالأذواق الشخصية، بل بالنتائج الموضوعية التي تتجاوز حدود الأنا.

​2. النضج: فن تحويل التباين إلى قيمة

​النضج في التعامل هو أن تدرك أن زميلك الذي يختلف معك في "الأسلوب" قد يكون هو الأقدر على سد ثغراتك. إن إدارة الاختلاف تتطلب نفساً صبورة وعقلاً منفتحاً يرى في "الرأي الآخر" قطعة مفقودة من أحجية النجاح، وليس هجوماً شخصياً.

​الاختلاف في الرؤية: يمنحك زوايا نظر لم تكن لتراها وحدك.

​الاختلاف في المهارة: يخلق تكاملاً يجعل المخرج النهائي أقوى وأمتن.

​الاختلاف في الشخصية: يوازن بين الحماس والتروي، وبين المخاطرة والحذر.

​3. النجاح كقيمة مضافة

​عندما نتوقف عن محاولة "صهر" الآخرين ليصبحوا مثلنا، ونبدأ في "استثمار" تميزهم، ننتقل من مرحلة العمل التقليدي إلى مرحلة القيمة المضافة. هنا، لا يصبح المجموع (1+1=2)، بل يصبح نتاجاً استثنائياً يفوق التوقعات لأن الاختلاف أضاف أبعاداً جديدة للعمل.

​خاتمة ملهمة:

إن العظمة لا تكمن في أن تجد من يتفق معك، بل في أن تنجح مع من يختلف عنك. النضج هو أن تضع "الهدف" فوق "الذات"، وأن تؤمن أن أجمل المقطوعات الموسيقية هي تلك التي تعزفها آلات مختلفة، لكنها تتوحد في إيقاع واحد.

​كن أنت القائد الذي يدير التنوع ليصنع منه مجداً، ولا تكن التابع الذي يبحث عن الألفة ليهرب من التحدي.