الخميس، 1 يناير 2026

ترتيلة الوداع الأخير: سلامٌ على الحنجرة التي أربكت عروش الظلام

بقلوب يملؤها اليقين، وبنفوسٍ تأبى الانكسار رغم مرارة الفقد، نودع اليوم فارساً ترجل عن صهوة الكلمة ليحلّق في رحاب الخلود، نودع "أبا عبيدة"، الذي لم يكن مجرد صوتٍ عبر الأثير، بل كان زلزالاً هزّ ضمائر الغافلين، ونبراساً أضاء طريق الكرامة في أحلك ليالي الأمة سواداً.

​أولاً: الحنجرة التي لم تنطق إلا بالحق

​سلامٌ على ذلك الصوت الذي خرج من قلب الحصار ليحاصر القتلة بكلماته، لقد كانت حنجرة "أبي عبيدة" مدرسةً في العزة؛ لم تداهن، لم تساوم، ولم تعرف لغة الانكسار، نطق بالحق حين سكت الكثيرون، وصال بكلماته في ميادين العز يوم أن جفّت الأقلام، فكان صوته هو "بأس الأمة" الذي يُسمع، ويقينها الذي لا يتزعزع.

​ثانياً: خيار الكرامة ومسيرة الشهداء

​لقد اختار أبو عبيدة ورفاقه طريقاً لا يسلكه إلا من باع الدنيا واشترى الآخرة، طريق الكرامة الذي يُعبد بالتضحيات ويُسقى بدماء الأطهار، لم يكن غيابه انطفاءً، بل هو شعلةٌ جديدة تضاف إلى سِجلّ الخالدين، إنهم رجالٌ عرفوا أن الأعمار تُقاس بالمواقف لا بالسنين، فصاروا بجهادهم تاريخاً يُدرس، وبثباتهم جبالاً لا تطالها رياح الهزيمة.

​ثالثاً: رحاب الفردوس.. وعد الله الحق

​نقف اليوم واثقين بوعد الله، قائلين: رحم الله أبا عبيدة، وجعل مأواه الفردوس الأعلى، فما عند الله خيرٌ وأبقى، وهنيئاً له هذا المقام الرفيع في مقعد صدقٍ عند مليك مقتدر، حيث السكينة التي لا تنتهي، وحيث الرفقة التي تشرأب لها الأعناق؛ مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً.

​رابعاً: فلسطين.. يقين التحرير المستمر

​سلامٌ على فلسطين التي أنبتت هذا الصمود، وسلامٌ على الأرض التي احتضنت هذه الهامات، إن رحيل الأجساد لا يعني توقف المسير؛ فدماء الشهداء هي الوقود الذي يشعل قناديل النصر، وكلمات "أبي عبيدة" ستظل محفورة في وجدان كل ثائر، تذكرنا أن الحق يُنتزع ولا يُستجدى، وأن فجر التحرير آتٍ لا محالة، تلوح بشائره فوق مآذن القدس وأسوارها.

​ختاماً..

اللهم اغفر له وارحمه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، اللهم اجعل ما قدمه لأمته ودينه في ميزان حسناته، وألهم أهله ورفاقه ومحبيه صبراً كصبره، ويقيناً كيقينه.

​سلامٌ عليه في الخالدين، وسلامٌ على فلسطين حتى التحرير، وحتى يرتفع نداء النصر فوق كل شبر من أرضها الطاهرة.

​والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.  


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق