في زمن الانكسارات الكبرى، حين تاهت البوصلة وارتبكت المعاني، برز من قلب الركام صوتٌ لا يشبه الأصوات، وعنوانٌ أعاد ترتيب الوعي الجمعي للأمة أبو عبيدة؛ ليس مجرد ناطقٍ عسكري يتلو البلاغات، بل هو تجلٍّ لمرحلةٍ كاملة، وضميرٌ حيٌّ استنهض في القلوب إيماناً بأن الحق لا يموت ما دام وراءه مُطالب، وأن القوة ليست في لمعان السلاح وحسب، بل في "عقيدة السلاح".
أولاً: مدرسة القسام.. المنهج لا يُغتال
تُعلمنا مدرسة القسام يوماً بعد يوم أنَّ الرجال فيها فِكرة، والفكرة لا تموت في هذا النهج، لا يُختزل النضال في شخص، ولا تسقط الراية برحيل قائد؛ فالبناءُ قائمٌ على "المؤسسية الجهادية" التي تجعل لكل أبي عبيدةٍ خليفة، ولكل ثغرٍ حارساً. إنها مسيرةٌ واضحة الهدف، ثابتة العقيدة، لا تُساوم في سوق المزايدات، ولا تنحني أمام موازين القوة الزائفة.
"الرجال لا يموتون ما دامت القضايا حية، والمناهج لا تُغتال بغياب الأجساد؛ فالأثرُ باقٍ، والمسيرُ مستمرٌّ بصدق القضية وتراكم التضحيات."
ثانياً: ما وراء الغياب.. الشهادة حياةٌ ممتدة
حين نتحدث عن التضحية، لا بد أن نستحضر البُعد الغيبي الذي يغذي هذا الصمود الأسطوري، فالمقاوم لا يرى في الموت نهاية، بل يراه معراجاً نحو حياةٍ أسمى وأبقى، وكما أخبرنا الصادق المصدوق ﷺ عن شهداء أُحد، فإن أرواح هؤلاء الأبطال لا تواريها التراب، بل هي:
في جوف طيرٍ خُضر: تسرح في رياض الجنة.
تأوي إلى قناديل ذهبية: تحت ظل العرش العظيم.
تُرزق وتستبشر: وتتمنى لو تنقل للباقين طِيب مقامها لكيلا يزهدوا في التحرير ولا يهابوا الردى.
هذا الاتصال بين الأرض والسماء هو الذي يجعل المقاتل الفلسطيني يقف شامخاً؛ فالله عز وجل هو الذي تولى إخبارنا بحالهم حين أنزل: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ}.
ثالثاً: فلسطين.. يقينُ التحرير
إن ما كان يصنعه "أبو عبيدة" وما يصنعه ورفاقه اليوم هو كتابة التاريخ بمدادٍ من العزّة، فلسطين باقيةٌ بأهلها المرابطين، وبمقاومتها التي تؤمن أن التحرير ليس لحظة عاطفية عابرة، بل هو صبرُ رجالٍ عرفوا الطريق فساروا فيه حتى النهاية.
ختاماً..
سلامٌ على الحناجر التي لم تنطق إلا بالحق، وسلامٌ على الأيدي القابضة على الجمر، وسلامٌ على أرواح الشهداء التي تُرفرف فوق القدس، تبشرنا بأن الفجر قريب، وأن طريق الكرامة وإن طال، فهو الطريق الوحيد نحو الحرية.
رحم الله أبو عبيدة وأسكنه فسيح جنته مع النبئين والصديقين و الشهداء والصالحين وحسن أولئك رفقا والحمدلله رب العالمين، وصل الله على سيدنا محمد وعلى أله وصحبه أجمعين.


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق