في غمرة الأحداث العاصفة، وبينما تتقاذف الأممَ أمواجُ الفتن، تنجلي الحقائق وتتمايز الصفوف، فلا يبقى في الميدان إلا من كان إيمانه كالجبال الراسيات. إننا نعيش زمناً اشتد فيه صخب الباطل، وكثر فيه الخوالف، وأصبح التمييز فيه بين "صوت الحق الهادئ" و"ضجيج المرجفين السامّ" ضرورةً لا غنى عنها لمن أراد السلامة لفكره ودينه.
المرجفون.. معاول الهدم وبذور الخذلان
لقد رسم القرآن الكريم صورة دقيقة لهؤلاء الذين ارتضوا لأنفسهم دور "المثبطين"؛ فهم قوم لا يظهرون إلا في أوقات الشدة، لا ليشدوا من أزر الأمة، بل ليزيدوا الجراح نزفاً. سلاحهم الكلمة المسمومة، وهدفهم بث الوهن في النفوس.
يقول الله تعالى في وصف أثرهم التخريبي: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾. إنهم يسعون بالفتنة، وينشرون الإشاعات بدافع الجبن أو النفاق، فإذا جاءهم أمر من الأمن أذاعوا به استكباراً، وإذا حلّ الخوف طاروا به تخذيلاً: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾.
الصادقون.. صمتُ الأفعال وشموخ الجبال
وفي مقابل هذا الضجيج الأجوف، يقف طابور الصادقين؛ أولئك الذين لا يبيعون الوهم، ولا يتاجرون بالشعارات. الصادقون هم الذين غادروا مربع الكلام إلى ميادين الفعل، فكان صمتهم هيبة، وثباتهم منهجاً.
هؤلاء هم الذين عاهدوا الله بصدق، فلم تغيرهم الأيام، ولم تفتنهم المغانم، ولم ترهبهم التهديدات. وصفهم رب العزة في آيةٍ هي وسام على صدر كل حر: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾. هم باقون على العهد، راسخون على المبدأ، ينتظرون إحدى الحسنيين بقلوب مطمئنة.
الشهادة.. رحلة الخلود ومقام التشريف
أما الذين اصطفاهم الله ليكونوا شهداء، فقد انتقلوا من ضيق الدنيا إلى سعة الخلد. الشهداء ليسوا مجرد أرقام في ذاكرة الموت، بل هم طاقة حياة تمد الأمة بالعزة. هم أحياء عند ربهم، ينعمون بفيض كرمه: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾.
لقد لخص النبي ﷺ عظمة هذا المقام حين قال: «ما من أحدٍ يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا وله ما على الأرض من شيء، إلا الشهيد، يتمنى أن يرجع فيُقتل عشر مرات لما يرى من الكرامة». إنها الكرامة التي تجعل الموت في سبيل الحق أغلى من الحياة في ظلال الهوان.
الخاتمة: سيرة الأبطال هي الباقية
سيسقط المرجفون عند أول منعطف حقيقي، وستذرو الرياح كلماتهم المسمومة كما تذرو الهباء، ولن يبقى في صفحات التاريخ إلا مداد العلماء ودماء الشهداء وثبات الصادقين. إن الأبطال وإن غابوا عن العيون بأجسادهم، فهم حاضرون في وجدان الأمة، يقودون بذكراهم قوافل القادمين نحو النصر.
اللهم تقبل الشهداء في عليين، واربط على قلوب الصادقين ببرد اليقين، واكفِ الأمة شر المرجفين وكيد المنافقين، واجعل كيدهم في نحورهم، وانصر الحق وأهله في كل زمان ومكان.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق