السبت، 7 مارس 2026

استيقاظ الضمير: حين تضيعُ البوصلة بين التفاصيل الجزئية ومعارك الوجود

في كل عام، ومع اقتراب مواسم الطاعات، تضجُّ المنابر والمساحات الافتراضية بجدلٍ صاخبٍ لا ينتهي حول جزئيات العبادات وكيفية إخراج زكاة الفطر، حتى يكاد هذا الضجيجُ يُصمُّ الآذان عن صرخات الثكالى وأنين الجياع في أطراف الأمة المنكوبة. إننا لا نُقلل من شأن الشعائر، فالدينُ كلٌّ لا يتجزأ، لكنَّ المأساة تكمن في أن تستغرقنا "الفروع" بينما "الأصل" يُجتثُّ من جذوره، وأن ننشغل بمقادير الصاع والمدّ، بينما تُباد شعوبٌ بأكملها وتُمحى مدائن عن الخارطة.

أمة الجسد الواحد.. والجراح المتفرقة

إن ما يمر به العالم الإسلامي اليوم ليس مجرد سحابة صيف عابرة، بل هو زلزالٌ يضرب الأركان. فلسطين، تلك القبلة الأولى والوجع المقيم، لا تزال تنزف تحت وطأة احتلالٍ غاشم لا يفرق بين حجرٍ وبشر. وفي السودان، يمزق الصراع أحشاء الوطن ويشرد الملايين في صمتٍ مريب. أما في إيران وبقاعٍ أخرى، فتتوالى الأزمات التي تخنق الإنسان وتصادر كرامته.

إنها جراحٌ في جسدٍ واحد، لكنَّ المفارقة العجيبة هي أن هذا الجسد لم يعد "يتداعى بالسهر والحمى" كما ينبغي، بل انشغل بتخدير نفسه في نقاشاتٍ هامشية، تاركاً القضايا الكبرى لقمةً سائغة في مهب الريح.

غياب الوعي وعقم الأولويات

إنَّ اختزال الدين في شعائر تعبدية معزولة عن قضايا العدل والحرية ونصرة المظلوم هو "بترٌ لروح الإسلام". كيف يستقيم لذي ضمير أن يغرق في تفاصيل فقهية يسيرة، بينما يفتقر المسلم في غزة أو الخرطوم لأدنى مقومات الحياة؟ إنَّ الواجب الأخلاقي يحتم علينا أن ندرك أنَّ وحدة الكلمة وصيانة كرامة الأمة ليست قضايا "سياسية" عارضة، بل هي من صميم التوحيد ومن مقتضيات الإيمان.

إعادة توجيه البوصلة: نداء إلى أولي البصيرة

لقد آن الأوان لرفع مستوى الوعي المجتمعي، ولتحويل البوصلة من "الجدل العقيم" إلى "العمل المقيم". إن الأمم لا تُحفظ بالشعارات الرنانة، ولا بكثرة الكلام في الهوامش، بل تُحفظ بالوعي الصلب والقدرة على فرز القضايا المصيرية.

فلسطين ليست قضية شعبٍ يدافع عن أرضه، بل هي ميزان العدالة في هذا العالم.

المظلوم في أي بقعة هو أخوك الذي يختبر الله به صدق مروءتك.

كرامة الأمة هي السور الذي يحمي مستقبل أبنائنا، وإذا سقط السور، لم تنفعنا كثرة التفاصيل.

الخاتمة: صوت الحق في عالم الضجيج

يا أهل الضمير الحي، كونوا أنتم الصوت الذي يصدح بالحق في زمن الصمت، واليد التي تمتد للمظلوم في زمن الخذلان. إننا بحاجة إلى "ثورة وعي" تعيد ترتيب أولوياتنا، ليكون همُّنا الأكبر هو كرامة الإنسان، وحرية الأوطان، ووحدة الصف.

فلنتذكر دائماً أنَّ الله سيسألنا عن "العدل" كما سيسألنا عن "العبادة"، وأنَّ الأمة التي تُحسن النظر في قضاياها الكبرى هي وحدها الجديرة بالحياة والسيادة. 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق