نكتب اليوم هذه السيرة المختصرة من حياة البروفيسور بوصفصاف عبدالكريم، حيث ولد في هذا الذي يصادف 19 أوت من سنة 1944.
يقف التاريخ إجلالاً أمام قامات استثنائية لم تثنِها عوادي الزمن عن صنع أثر خالد ينير درب الأجيال، ومن بين أضواء الجزائر الخالدة يسطع اسم الباحث والمؤرخ القدير البروفيسور عبد الكريم بوصفصاف رحمه الله، الذي لم تكن غشاوة العمى بالنسبة له سوى محفزٍ لإبصار الحقائق وتشييد بنيان العلم، ولد يوم 19 أوت 1944 بقلب ولاية ميلة، حيث اختبر معاني الابتلاء مبكراً حين فقد بصره في سن الثالثة إثر انفجار لغم غاشم من مخلفات الاستعمار، لكن هذا الانطفاء الظاهري للنور لم يزد نوره الداخلي إلا اشتعالاً وتوهجاً، فلم يستسلم لظلام العاهة بل جعل من قوة إرادته وقوداً للوصول إلى أرقى المراتب العلمية وأرفع درجات البحث والأكاديمية.
نشأ الراحل على حب العلم والوطن، حيث استهل رحلته التعليمية بابتدايئة فرجيوة وفج مزالة، وامتزجت في روح الفتى اليافع مشاعر الشغف بالعلم مع أنفة الثائر، فكان واحداً من أبطال الحركة الطلابية الذين لبوا نداء الوطن وشاركوا بشجاعة في إضراب 19 ماي 1956 الخالد، وواصل عصاميته الفذة بكل ثبات ليشق طريقه في أروقة المعرفة، حاصداً شهادة الليسانس في التاريخ من جامعة قسنطينة، ثم لم يرتضِ إلا أن يعتلي قمم البحث العلمي، فنال شهادتي الماجستير ودكتوراه الدولة من الجامعة ذاتها بكل استحقاق واقتدار، ليكون ألمعياً يفوق بصره قوة بصيرته وعزيمته،
فاستحال الدكتور عبد الكريم بوصفصاف إلى شعلة معطاءة تغذّي العقول وتنير الدروب في المنصات الأكاديمية، فصالت وجالت خبرته العميقة أستاذاً ومحاضراً لعلوم التاريخ في جامعتي قسنطينة وأدرار، معطاءً بلا حدود، يغرس في نفوس طلابه أصول البحث العلمي الرصين والأمانة التاريخية، وقد أثمر هذا العطاء الزاخر بإشرافه المباشر على عشرات الرسائل والأطاريح الجامعية، إلى جانب إغنائه المجلات العلمية المحكمة بالدراسات الرصينة المقارنة، ليتوج مساره الحافل بتكريم سامٍ تمثل في نيله وسام رئيس الجمهورية سنة 2004، اعترافاً من الأمة بفضله وعطائه المعهود.
سخّر الراحل فكره وقلمه لخدمة الذاكرة الوطنية والتراث الإسـلامي، مستحضراً بأبحاثه الخالدة أركان النهضة؛ حيث تعمق في دراسة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، ودورها المحوري في تطوير الحركة الوطنية وعلاقتها بالحركات السياسية الأخرى، كما أنار الفكر العربي الحديث والمعاصر بكتابات متعمقة، وواكب مسار التجديد من خلال أبحاثه المقارنة بين حركتي الإمامين محمد عبده وعبد الحميد بن باديس، وترك للمكتبة الجزائرية والعربية ثروة معرفية زاخرة تشهد على عمق أثره، منها "معجم أعلام الجزائر في القرنين التاسع عشر والعشرين"، ومؤلفه المتميز "رواد النهضة والتجديد في الجزائر"، إضافة إلى دراساته المرجعية حول القمم الوطنية ككتاب "ابن باديس الرمز" و"الشيخ محمد البشير الإبراهيمي العالم المفكر والأديب الوطني المنظر".
إن رحيل الدكتور عبد الكريم بوصفصاف يوم 16 نوفمبر 2017 لم يكن إلا غيابا للجسد، أما أثره العظيم وفكره الوقاد فسيبقى معلماً يضيء صفحات تاريخ الجزائر الحبيبة، ورمزا للإرادة التي تقهر المحال وتصنع المجد من قلب الآلام. رحم الله الشيخ الباحث والمربي الفاضل عبد الكريم بوصفصاف، وأسكنه فسيح جناته جزاء ما قدم لأمته ووطنه.

















































