تعتبر المرأة في وجدان الإنسانية وثقافاتها المتعددة الركيزة الأساسية التي يقوم عليها بنيان المجتمع؛ فهي ليست مجرد نصفه العددي، بل هي روحه وصانعة أجياله، وبدونها لا يمكن للأسرة أن تتشكل لتكون النواة الأولى في جسد الأمة، ولقد وهب الله سبحانه وتعالى المرأة عاطفة أمومة جياشة، وجعلها متفردة بحمل مشاق الحمل والرضاعة، وهو دور حيوي تعجز البشرية جمعاء عن تعويضه أو القيام بمثله مهما بلغت من علم وقوة، وإذا كانت القوامة ورئاسة البيت تقع في الأصل على عاتق الرجل، فإنها تؤول تلقائياً للمرأة في غيابه لتدير شؤون بيتها بحكمة واقتدار، وقد جاء الإسلام ليكرم هذه المكانة ويرفع من شأن المرأة بعد عهود مظلمة من الجاهلية كانت تُدفن فيها الطفلة حية، وتُعامل كرمز للمهانة والذل، فجاء هدي القرآن الكريم ليستنكر تلك الأفعال بقوة، ويعيد للمرأة كرامتها وإنسانيتها الكاملة، في وقت كانت فيه شعوب أخرى في أوروبا تعقد المؤتمرات لبحث ما إذا كانت المرأة بشراً أم غير ذلك، ومن ذلك المؤتمر الذي عقد في فرنسا سنة 586 ميلادية للبحث إذا كانت المرأة إنسان أو ليست إنسان.
وفي العصر الحديث، ومع تصاعد صيحات المطالبة بحقوق المرأة ومساواتها بالرجل في ظل النظم الديمقراطية، برزت نقاشات واسعة حول حدود هذه الحقوق. ويرى الكثير من المفكرين أن الإسلام قد منح المرأة حقوقاً ومكانة سامية لم تكفلها لها أي مواثيق وضعية أخرى، محذرين في الوقت ذاته من بعض الدعوات التي تسعى للاستثمار في هذه القضية لإبعاد المرأة عن مهمتها الفطرية والأصيلة في تربية الأجيال الصالحة، ومع انخراط المرأة الفعال في مجالات العمل المختلفة وتقلدها مناصب عليا، تمدد طموحها ليصل إلى المعترك السياسي، وتطلعت إلى منصب رئاسة الدولة، مستندة إلى نماذج تاريخية ومعاصرة أثبتت فيها المرأة قدرة فائقة على الإدارة والتسيير قد تفوق أحياناً قدرات الرجال. في القرآن الكريم ذكرت ملكة سبأ على أنها كانت تحكم بالشورى وحكمة القيادة، والتاريخ القديم يحفظ اسم "زنوبيا" ملكة تدمر كرمز للقوة والدهاء السياسي، وصولاً إلى العصر الحديث الذي شهد بزوغ قيادات نسائية بارزة مثل "حليمة يعقوب" التي أدارت دولة سنغافورة بكل حنكة واقتدار.
ورغم هذه النماذج الناجحة، لا يزال الجدل الفقهي والسياسي قائماً ومحتدماً في المجتمعات الإسلامية حول مدى جواز تولي المرأة لمنصب رئيس الدولة، ومنذ عهد الصحابة رضوان الله عليهم، استقر رأي جمهور علماء المسلمين على عدم جواز تقلد المرأة لمنصب الحاكم العام أو رئيس الدولة، مستدلين بآيات وأحاديث نبوية شريفة؛ منها قوله تعالى في شأن القوامة الأسرية، والتي رأى الفقهاء أنها من باب أولى تنطبق على الولاية العامة، إضافة إلى الاستدلال بالحديث النبوي الشريف الذي علق فيه الرسول صلى الله عليه وسلم على تولية الفرس لابنة كسرى بقوله : ( لن يفلح قوم لو أمرهم إمرأة ) أو كما قال عليه الصلاة والسلام، معتبرين أن عدم الفلاح ضرر ومفسدة يجب على الأمة اجتنابها لحفظ استقرار الدولة وازدهارها.
وفي المقابل، ومع تأثر الفكر المعاصر بالتحولات السياسية، برزت آراء فقهية حديثة تنظر إلى القضية من منظور فقه الموازنات والواقع المعاصر، فقد ذهب المفكر الإسلامي أبو الأعلى المودودي في مرحلة سياسية معينة إلى تأييد ترشح فاطمة جناح لرئاسة الدولة اعتباراً بأن انتخابها يمثل أخف الضررين مقارنة بمنافسها آنذاك أيوب خان، كما أظهر تولي حليمة يعقوب في السنوات الأخيرة لدولة سنغافورة بجدارة وحكمة وإقتدار، جعلها في تقدم وإزدهار، على قدرة المرأة على ذلك، ومن هذا المنطلق، توسع الشيخ يوسف القرضاوي في استنباطاته الفقهية ليرى جواز تولي المرأة للمناصب العليا بما في ذلك القضاء ورئاسة الدولة والحكومة في إطار النظم السياسية المعاصرة التي تختلف في طبيعتها عن الخلافة الإسلامية العامة، ومع هذا التباين الفكري المستمر، يبقى هناك خيط رفيع من الاتفاق والإجماع بين سائر العلماء والمفكرين، وهو عدم جواز تولي المرأة لمنصب الإمامة الكبرى التي تعني الخلافة العامة لجميع المسلمين، لتظل قضية رئاسة الدولة المعاصرة مساحة مفتوحة للاجتهاد والنقاش بين أصالة الموروث الفقهي ومتطلبات الواقع السياسي المتجدد.


















































