مقدمة: ثمة رجالٌ لا يرحلون وإن غيبهم التراب، تظل مآثرهم حية في تفاصيل الأرض، وفي ذاكرة الأجيال، تنبض بالعطاء وتتكلم بالمواقف، ومن هؤلاء العظماء الذين لم ينصفهم نسيان الجيل الجديد، رجلٌ كالألف، وقامةٌ شمخت في تاريخ الجزائر عامة، ومنطقة "أَوْلَفَ" خاصة؛ إنه الحاج عمار فرجاني بن طالب سالم (المولود عام 1902)، الرجل الذي خطَّ بيمينه صفحاتٍ مشرفة من الكرم، والجهاد، وبُعد النظر.
لم تكن حدود تأثير الحاج عمار جغرافية ضيقة، بل كان اسما يتردد بالهيبة والوقار عبر الفيافي والقفار؛ من منطقة الواحات وتيديكلت، إلى أحضان الأهقار، وعبر ربوع توات وبشار، وصولاً إلى عمق الساحل الإفريقي، وكان حبل وصلٍ لا ينقطع مع شيوخ وأعيان هذه المناطق، يجمعهم على نبل الخصال وسمو الهدف.
نشأة في أحضان العلم والكرم.. هيبةٌ ووقار
ترعرع الفتى عمار في كنف أسرة عريقة، جُبلت على حب العلم واستضافة العباد، فرضع قيم الشهامة والأنفة منذ صغره، وعُرف بين أهله وسكان "أولف" بهيبة تأسر القلوب، وصرامة لا تلين في الحق، ممزوجة بوقار العلماء وحكمة الشيوخ. كان مجلسه مقصدا للغريب والقريب، وصوته مسموعا إذا حزبت الأمور.
رصيد الثورة: جهادٌ صامت خلف القضبان
حين نادت الجزائر أبناءها لتطهير الأرض من دنس المستعمر الفرنسي، لم يتخلف الحاج عمار فرجاني عن ركب الفداء، وتحول بيته إلى قلعة من قلاع الثورة التحريرية المظفرة؛ فكان يموّل المجاهدين بكل ما يحتاجونه من مؤونة وعتاد، مخصصا غرفة سرية في منزله لإيوائهم وحمايتهم.
ولأن ضريبة الحرية غالية، فقد طالته يد المحتل، حيث أُلقي القبض عليه رفقة ابنه "محمد" بتهمة إيواء الثوار، وزُجّ بهما في عتمة سجن العبادلة ببشار، حيث ذاقا مرارة الأسر والتنكيل، لكن السجن لم يزد الحاج عمار إلا صلابة وإيمانا. وبعد انقشاع فترة السجن، أُطلق سراحه ليعود إلى "أولف" واثق الخطوة، مستأنفا مسيرة العطاء والجهاد حتى بزغ فجر الاستقلال.
من رجال الدولة الجزائرية الحديثة بعد الإستقلال: أول رئيس لبلدية أولف
لم ينتهِ واجب الحاج عمار برحيل المستعمر، بل بدأت معركة البناء والتشييد، وتقديرا لمكانته وتضحياته، تولى رئاسة بلدية "أولف" لفترة وجيزة، ليدخل التاريخ كأول رئيس بلدية لها في عهد الاستقلال، واضعا اللبنات الأولى للإدارة المحلية بنزاهته المعهودة وحرصه الشديد على مصلحة المواطنين.
جليس العلماء ومحب المعرفة
كان الراحل يؤمن بأن الأمة لا تحيا إلا بالعلم، فكان شديد الحب للعلماء والمصلحين، وارتبط بعلاقات وطيدة مع منارات العلم في زمانه، كالعلامة مولاي أحمد الطاهري السباعي في "سالي"، فكان يكرمهم ويحتفي بهم بما جادت به يداه، كما كان مجلسه اليومي لا يخلو من الحكمة والمذاكرة الفقهية، حيث كان جليساه الدائمان قامات يُشار إليها بالبنان: العلامة الشيخ محمد باي وبن منوفي طالب عبدالله.
بُعد النظر واستشراف المستقبل: "طريق الكروسة"
لعل أروع ما يبرهن على عبقرية هذا الرجل ورجاحة عقله وبُعد نظره، هو رؤيته الاستشرافية للمجال الفلاحي في بساتين أولف المعروفة بـ "الجنة". كان الحاج عمار أول من فكر في شق طرقات واسعة داخل البساتين تسمح بمرور السيارات، وهو ما يُعرف اليوم بـ (طريق الكروسة الأولى وطريق الكروسة الثانية).
في ذلك الوقت، واجه المشروع معارضة شرسة وعنادا كبيرا من ملاك البساتين الذين عجزوا عن استيعاب فكرته، حتى أطلقوا مقولتهم الشهيرة التي سجلها التاريخ: "النار ولا عمار!"، تفضيلاً على أن تُخترق بساتينهم بالطرقات، لكنه بروح القائد الصبور، جادلهم بالتي هي أحسن وقال كلمته التاريخية:
"هي ليست لهذا الوقت.. أنا أنظر للسنوات القادمة، فقد تحتاجونها في تنقلاتكم".
واليوم، وبعد مرور العقود واقتناء الفلاحين للسيارات، أصبحت تلك الطرقات هي شريان الحياة لبساتينهم، وتحولت عبارة الرفض القديمة إلى دعوات بالرحمة والمغفرة يلهج بها كل من مر بتلك السبل.
أبا الفقراء وسند المحتاجين
خلف تلك الصرامة والهيبة، كان ينبض قلبٌ رحيم يفيض بالعطف على الضعفاء، وكان مجلسه بعد صلاة العصر عند دكانه ملاذا للعائلات المعوزة؛ حيث يوزع عليهم بعض من التمر لسد رمق جوعهم وإطعام عيالهم بكرامة، ولم يكن يكتفي بذلك، بل كان يأمر خدمه بعد صلاة المغرب بحمل بعض التمر وإيصالها سرا إلى بيوت المتعففين حتى لا يراهم أحد.
الرحيل والوفاء: 16 مايو 1973
لكل بداية نهاية، ولكل جسد موعد مع الرحيل، في 16 مايو 1973، أنتقلت روح الحاج عمار فرجاني بعد صراع مع المرض بمستشفى ورقلة، ونُقل جثمانه الطاهر إلى مسقط رأسه "أولف" التي أحبها وأحبته، ليدفن في مقبرة أجديد.
رحل الحاج عمار تاركا وراءه إرثا من العز والشرف، وطرقا تمشي عليها الأقدام والسيارات، وتاريخا يشهد أنه كان رجلاً بأمة، واليوم ونحن نستذكر هذا البطل في ذكرى وفاته، نرفع أكف الضراعة إلى المولى عز وجل:
"اللهم اغفر للحاج عمار فرجاني بن طالب سالم، وارحمه رحمة واسعة، واجعل قبره روضة من رياض الجنة، واغفر لعائلة الطالب السالم فرجاني جميعا وجميع موت. المسلمين، ولمن أحبه وسار على دربه، واجعل ذكره مرفوعة في الأرض والسماء."
كتبت هذا المقال اعتماداً على معلومات من صفحة عمار فرجاني وبالإستعانة بالذكاء الإصطناعي.

















































































































