في زمنٍ تُقاس فيه قيمة الإنسان أحياناً بظواهر زائلة وبمعايير جمال واهية صنعها البشر وتنتهي جميعها تحت التراب، وتُصنع فيه الصورة على عجالة لتتخطفها ألسنة السخرية والافتراء، تقف قمم الإرادة شامخة لتثبت أن جوهر الإنسان أكبر بكثير من ظلال النقد السطحي. هناك، في قلب الجزائر الشاهقة بكرامتها، تقف تجربة الأكاديمية والسياسية «زهية بن قارة» كعلامة فارقة ورمز للصمود السياسي والإنساني؛ تجربة تختزل حكاية امرأة لم تختر ملامحها ولا نبرة صوتها، لكنها اختارت بصمتها، بل فرضت وجودها بما قدمته وبنته على أرض الواقع، لتصوغ واحدة من أكثر قصص العصر دافعية وتأثيراً، وتحول الضجيج الساخر إلى صمت إجلال، وتجعل من حبال الصمت جسراً عبرت منه نحو المجد والخدمة العامة.
إنها أول امرأة تترأس بلدية في ولاية ميلة (بلدية الشيقارة)، وأول رئيسة بلدية منتخبة عن حزب إسلامي في الجزائر، في إنجاز تاريخي لم يتحقق في صالونات مجهزة أو بيئات مرفهة، بل في عمق منطقة جبلية ريفية محافظة، وسط منافسة ضارية خاضتها أمام قوى سياسية عتيدة. وتعود بداية هذه الملحمة إلى عام 2018، حين كانت تمارس مهامها بكل إخلاص، وفي ظهور تلفزيوني عابر، أطلق البعض سهام التنمر والسخرية على نبرة صوتها وشكلها عبر منصات التواصل الاجتماعي، في محاولة بائسة لاختزال مسيرة سيدة أكاديمية في سمة جسدية لا يعيبها شيء.
إن المثير للدهشة والأسى في آنٍ واحد، هو أن أولئك الذين عجزوا عن مواجهة سيرتها وتفنيد كفاءتها بالمنطق، وجدوا في التنمر والسخرية ملجأ لضعفهم، متناسين أن السخرية من الخلقة ليست رأياً ولا نقداً، بل هي إفلاس فكري وسقوط أخلاقي مدوٍّ. فالنقد السياسي حق مكفول ومطلوب، ويجوز بل يجب نقد الأداء والمواقف وتقييم حصيلة العمل التنفيذي؛ أما المساس بالشكل والخلقة فهو اعتداء على صنع الخالق، وخرق صريح للقيم الإنسانية والشرعية التي حسمها الحق سبحانه وتعالى بقوله: {لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ}، وما أكده الرسول الكريم ﷺ بقوله: «إنَّ اللهَ لا يَنْظُرُ إِلى صُوَرِكُمْ وَلا أَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلى قُلُوبِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ» (رواه مسلم).
غير أن تلك السهام لم تجد إلا جداراً صلباً من الكبرياء والوعي؛ فلم تنسحب ولم تستسلم لغبار تلك الحملة الرخيصة، بل وقفت بشجاعة نادرة أعلنت من خلالها أن الصوت الحقيقي لا يُقاس بنبرته، بل بصداه في الميدان وأثره في حياة الناس. ولم يكن الرد بالكلمات أو بالبيانات المنمقة، بل كان بالعمل الدؤوب والإنجازات الواضحة؛ إذ نجحت في تحويل تلك المحنة الإنسانية إلى شحنة استثنائية من الدافعية والإصرار، وغاصت في تفاصيل المعاناة اليومية لسكان منطقة ريفية شاقة، وقادت ثورة تنموية هادئة لكنها جارفة.
لقد كانت تلك اليد التي حاول البعض التقليل منها أو التنمر على صاحبتها، هي نفسها اليد التي امتدت لفك العزلة عن الناس البؤساء في المداشر والقرى المنسية، وهي اليد التي سعت لتهيئة الطرق الوعرة وتعبيدها، وتوسيع شبكات المياه العذبة والغاز، وتحسين واقع المدارس والمرافق التعليمية والخدمات الأساسية في مناطق كانت تعاني التهميش والنسيان. هنا يتجلى الفارق الجوهري بين من يثرثر خلف الشاشات ومن يصنع الأمل في الميدان؛ فالقيمة الحقيقية للإنسان لا تكمن في مدى مطابقته لمقاييس شكليّة عابرة، بل فيما يتركه من أثر طيب، وما يحققه من تغيير ملموس في حياة الآخرين. لقد كتبت بفرشاة الإنجاز لوحةً ردت بها على كل من حاول التقليل من شأنها، ليتحول اسمها في الأوساط الإعلامية والجزائرية – وعلى رأسها صحيفة "الشروق" – إلى "المرأة الحديدية" التي هزمت التحديات التنموية وقهرت التنمر في آن واحد.
ولم يتوقف هذا الصدى عند حدود الوطن، بل تجاوز الحدود ليصل إلى وسائل إعلام عربية ودولية بارزة مثل "العربي الجديد" ووكالة "JINHA"، التي أفردت مساحات واسعة لتغطية هذه المسيرة الملهمة. لقد أصبحت زهية بن قارة رمزاً يتجاوز جغرافيا المكان، وأيقونة تتداولها وسائل الإعلام كلما قُمِعَت امرأة أو حاول البعض ثنيها عن اقتحام المشهد السياسي. لم تكتفِ بتجاوز الماضي، بل اتخذت منه منصة انطلاق نحو المستقبل، لتخوض غمار الانتخابات التشريعية وتسعى بكل ثبات نحو قبة البرلمان، حاملةً معها ثقة الجماهير وصوت أولئك الذين رأوا فيها نموذجاً للإصرار والوفاء، حتى حازت عضوية المجلس الشعبي الوطني.
إن قضية «زهية بن قارة» تتجاوز حدود شخصها لتصبح قضية رأي عام ومسألة وعي مجتمعي؛ إنها درس قاطع لكل من يحاول اختزال الكفاءات في أشكالها، وتذكير دائم بأن الإرادة الصلبة والعمل الصادق قادران على اختراق أسوار التهميش والتحيز. وقد أثبتت التجربة أن الأفعال هي التي تبقى خالدة في ذاكرة الشعوب، وأن الطرق التي فُتحت والماء الذي أُوصل والأمل الذي أُعيد لقرية نائية، أبلغ أثراً وأبقى ذكراً من كل كلمات السخرية التي تذرُوها الرياح وتتهاوى أمام عظَمَة الإنجاز. إن مسارها ليس مجرد سيرة ذاتية لسياسية تجاوزت عثرة في طريقها، بل هو بيان صارخ لكل من يواجه التهميش والإساءة؛ مفاده أن المحن لا تصنع الانكسار إلا لمن ارتضاه، وأن المعادن الأصيلة تزداد بريقاً كلما اشتدت عليها النيران.
في زمن تزن فيه القمم بمقدار ما تقدمه لأمتها ومجتمعها، تقف السيدة زهية بن قارة كقامة شامخة غنية عن كل تعريف، وشخصية استثنائية نذرت نفسها لخدمة الوطن ورفعة أبنائه. إذ لم تكن المسؤولية يوماً بالنسبة لها مجرد منصب يُعتلى، بل كانت دائماً أمانة ثقيلة ورسالة سامية تجسدت في ميدان العمل الفعلي، حيث لامس أبناء ولايتها صدق عطائها، ونبل مقاصدها، وحرصها الدؤوب على بناء الإنسان وترقية المكان. لقد صنعت بمواقفها اليومية نموذجاً يُحتذى به في إخلاص العمل ورفعة الخُلُق، فغدت في قلوب مواطنيها رمزاً للأصالة والتواجد الميداني الحقيقي الذي لا ينقطع.
إن السمة الأبرز التي حفرت اسم السيدة زهية بن قارة في الوجدان الجمعي هي التواضع الشديد الذي يُغلف هيبتها، والنبل الذي يزين معاملاتها، إذ يدرك كل من تعامل معها أن الأخلاق العالية ليست مجرد قشرة خارجية، بل هي جوهر متجذر في شخصيتها المعطاءة. وفي المقابل، يظل الإيمان راسخاً بأن قمة الإفلاس الإنساني والفكري تتمثل في الاستهزاء بخلق الله أو التقليل من شأن الآخرين؛ فالذين ينحدرون إلى هذا المستوى الدنيء إنما يعكسون ضآلة أنفسهم وعجزهم عن مجاراة الكبار، بينما يمضي الشرفاء في طريقهم ثابتين، لا تكسر عزيمتهم الترهات، ولا تنال من شموخهم محاولات التثبيط، لأن أصالة المعدن تفرض نفسها دوماً في ساحات الإنجاز.
ختاماً، لا يسعنا أمام هذه المسيرة المعطاءة إلا أن نتوجه بأصدق الدعوات وأسمى التمنيات للسيدة زهية بن قارة، متمنين لها دوام الصحة والعافية، وتمام القوة والمنعة. نسأل الله العلي القدير أن يمدها بتوفيقه، وأن يعينها ويقدرها على أداء مهامها النبيلة في منصبها الجديد في المجلس الشعبي الوطني تحت قبة البرلمان، لتواصل مسيرتها المظفرة في خدمة البلاد والعباد، وليبقى عطاؤها مناراً يهتدي به كل من يطمح لإحداث أثر طيب وباقٍ في أرض الجزائر الطيبة، وتظل قصتها صفحة مشرقة في تاريخ النضال النسوي والسياسي، ورسالة خالدة مفادها أن الإرادة الصلبة كفيلة بتحويل أسهم التنمر إلى تيجان يرتديها الأوفياء لوطنهم وأمتهم.











































































