ببالغ الأسى والحزن، وبقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره، تودع اليوم قامة من قامات العلم والعمل في ولاية أدرار وفي مدينة أولف العريقة؛ في يوم الأحد، الخامس عشر من شهر الله الحرام (رجب 1447 هـ)، الموافق للرابع من يناير 2026 م، خيّم الحزن على دائرة أولف خاصة و ولاية أدرار عامة، برحيل المربي الفذ، والأستاذ الناصح، والقلب الرحيم الذي لم يعرف إلا البشاشة والوقار، الأستاذ بوكار الحاج أحمد بن عبد القادر، لقد كان الراحل أكثر من مجرد أستاذ في قسم دراسي؛ بل كان مؤسسة تربوية تمشي على الأرض، إذ أفنى زهرة شبابه في أداء الواجب التربوي بتفانٍ لا يعرف الكلل، فبذر في صدور تلاميذه قيم الاستقامة والمعرفة، والكثير من الإطارات الذين يشغلون اليوم مناصب المسؤولية في شتى الميادين هم "الصدقة الجارية" التي تركها الفقيد، وهم الشهود على إخلاصه الذي سيظل يتردد صداه في أروقة المدارس وجدران الذاكرة، إذ لم تقتصر حدود عطاء الأستاذ الحاج أحمد على السبورة والكتاب، بل امتدت يده البيضاء لتضع لبنات الإيمان في مسجد "عبد الله بن مسعود"، مساهماً في بناء بيت من بيوت الرحمن ليكون منارة للهدى، وبنفس الروح المعطاءة، ترأس جمعية "قصر الجديد"، فكان الأب الحاني والمدافع المخلص عن مصالح جيرانه وساكنة قصره، تاركاً خلفه إرثاً من التكافل الاجتماعي الذي قلّ نظيره، وشهدت له سجلات الحالة المدنية لبلدية أولف (2014-2015) على دقته وصبره حين عكف بجد على إعادة نسخ السجلات باللغة الفرنسية، حافظاً بذلك ذاكرة البلدية وهويتها الإدارية، ولم يتوقف طموحه في خدمة بلده عند هذا الحد، بل ارتقى ليكون صوتاً للحق وعيناً للتنمية كعضو في الهيئة التنفيذية للمجلس الشعبي البلدي (2017-2021)، حيث عمل بكل ما أوتي من قوة لرفعة شأن بلدية أولف وتحسين حياة مواطنيها، إن المصاب جلل، وإن الفقد كبير، وإن العين لتدمع والقلب ليخشع، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا وخالقنا، رحل صاحب الوجه البشوش، رحل الرجل الذي لم تمنعه الأعباء يوماً من أن يكون ناصحاً لكل من قصده، فسلام عليك يوم حملت لواء العلم وبذلت الجهد، وسلام عليك يوم عمرت المساجد وخدمت العباد، وسلام عليك يوم كنت قدوة في الأخلاق والسمت الرفيع، اللهم اغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم جازه بالحسنات إحساناً، وبالسيئات عفواً وغفراناً، اللهم ألهم أهله وذويه ومحبيه وساكنة أولف وأدرار وماجاورهما جميل الصبر والسلوان، "يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي"، إنا لله وإنا إليه راجعون.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق