تختزل الذاكرة الجمعية للمجتمعات صوراً لرجالٍ لم يكونوا مجرد موظفين خلف مكاتبهم، بل كانوا قناديل تضيء عتمة الحيرة، وجسوراً تعبر بالناس نحو قضاء حوائجهم بكرامة وتفانٍ، ومن بين هؤلاء الأوفياء الذين نقشوا أسماءهم بمداد من نور في سجلات منطقة بلدية تمقطن خاصة ودائرة أولف وولاية أدرار عامة، يبرز اسم السيد بلوافي أمحمد بن هيبه؛ الرجل الذي لم يتقلد وظيفة "ضابط الحالة المدنية" ببلدية تمقطن كمنصب إداري فحسب، بل كرسالة مقدسة وهب لها زهرة شبابه وسنين عمره.
بكرُ البدايات وأولُ الرعيل
لم يكن بلوافي أمحمد بن هيبه مجرد عابرٍ في تاريخ بلدية تمقطن، بل كان أول من تقلد مهمة ضابط الحالة المدنية فيها، وهو من وضع اللبنات الأولى لهذا المرفق الحيوي بحسٍّ وطنيٍّ عالٍ، في وقتٍ كانت فيه البدايات تتطلب رجالاً من طينة خاصة؛ رجالاً يملكون الصبر والجلد والقدرة على التأسيس من العدم، فكان نعم المؤسس ونعم المؤتمن، جعل من مكتبه مزاراً للطمأنينة، حيث تُحفظ الأنساب وتُوثق الأرزاق وتُصان الهويات.
إتقانٌ يعانق التفاني: الليل والنهار سواء
في فلسفة بلوافي أمحمد بن هيبة العملية، لم يكن للوقت حدودٌ تمنعه من العطاء، فقد عُرف عنه أن عمله لا ينتهي بانتهاء الدوام الرسمي، بل كثيراً ما كان يمضي نهاره في خدمة المرتفقين، ولا يعود إلى بيته إلا والليل قد أسدل ستاره، مثقلاً بالتعب لكنه مرتاح الضمير، ولم يمنعه حرّ المنطقة ولا هدوء ليلها من أن يكون في حاجة كل من طرأ عليه طارئ، مستشعراً أن قضاء مصلحة المواطن أمانةٌ سيُسأل عنها بين يدي الله والتاريخ.
ميزان العدل: لا فرق بين غني ولا فقير
لقد جسّد بلوافي أمحمد بن هيبه أسمى معاني النزاهة والمساواة؛ ففي محراب مكتبه، تلاشت الفوارق الطبقية والاجتماعية، إذ لم يكن يفرق في أدائه بين غنيٍّ أو فقير، ولا بين قريبٍ أو غريب، وكان المقياس الوحيد لديه هو "صاحب الحاجة"، فكان يعطي كل ذي حقٍّ حقه بإتقانٍ منقطع النظير، مترفعاً عن الأغراض والمصالح الضيقة، واضعاً كرامة الإنسان فوق كل اعتبار.
عطاءٌ عابرٌ للحدود الجغرافية
لم تكن خدماته حبيسة أسوار بلدية تمقطن، بل فاض جوده ليمتد إلى بلدية أولف ودائرتها، وإلى كافة ربوع ولاية أدرار. بل وتعدى ذلك ليشمل كل من قصده من خارج الولاية، فكان يستقبل الغريب بحفاوة القريب، ويسعى في قضاء حوائجه بنفس الروح الوثابة والهمة العالية، حتى صار اسمه علماً يُقصد لكل معضلة إدارية، ورمزاً لـ "خادم الدولة" الحقيقي الذي يتجاوز البيروقراطية بروح القانون وإنسانية التعامل.
خاتمة: وفاءٌ لرجل الوفاء
إن الحديث عن السيد بلوافي أمحمد بن هيبه هو حديثٌ عن جيلٍ من العظماء الذين بنوا الوطن بصمتٍ، ووهبوا أيامهم قبل التقاعد لخدمة الإنسان، ولم ينتظروا جزاءً ولا شكوراً. إن مسيرته المهنية الحافلة ليست مجرد سنوات من العمل، بل هي مدرسة في الأخلاق، وتجسيد حيٍّ لقوله صلى الله عليه وسلم: "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه".
سيظل فضل هذا الرجل محفوراً في وجدان كل من مرّ بمكتبه، وسيبقى ذكره عاطراً في أزقة تمقطن وساحات أولف، فالتاريخ لا ينسى المخلصين، ولا ينكر فضله إلا جاحد.
تحية إجلال وتقدير لهذا الرمز الذي أعطى للوظيفة معنى "الجهاد في سبيل الوطن".

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق