تستعد الساحة الأدبية في الجزائر، وفي حاضرة أدرار على وجه الخصوص، لاستقبال المولود الروائي الخامس للبروفيسور الصديق حاج أحمد، المعروف بلقبه الأدبي "الزواني". الرواية الجديدة التي تحمل عنوان (تغريبة دلدول.. العمرة المنسية من نسك بوعمامة)، تصدر قريبا عن "دار الدواية"، لتشكل محطة إبداعية جديدة في مسيرة صاحب "مملكة الزيوان" الذي عُرف بتنقيبه العميق في أنثروبولوجيا الصحراء وتاريخها المنسي، وفي هذا العمل الجديد، يسافر بنا "الزواني" إلى تخوم الوجع والذاكرة، مستحضراً لحظات فارقة من تاريخ الجنوب الجزائري، وبالتحديد سنة 1894، حين شيع أهل قصور دلدول بمنطقة قورارة الشيخ الثائر بوعمامة. الرواية تنطلق من "موال ملحون" عُزف على رباب الفراق عند المنفذ الغربي لقصر أولاد عبو، حيث امتزج نحيب الأهالي برجاء البقاء، في مشهد إنساني يختزل التعلّق بالرموز الروحية والوطنية، وتستعرض الرواية تفاصيل تلك "العشرة" التي دامت عشرة أعوام بين الشيخ وأهالي المنطقة، وهي علاقة لم تكن عابرة، بل تجلت في رسائل الحنين التي بعث بها الشيخ بوعمامة لاحقاً لأهل دلدول، مستذكراً "الجماعة وقائدها" وكل فرد في القصر، في وفاء نادر وثّقه النساخ وتناقلته الأجيال، ومن خلال هذه الومضات التاريخية، ينسج الروائي نصاً يمزج بين التوثيق والتخييل، مستنداً إلى موروث شفهي ثري، تماماً كما ترددت أصداء "براحة التضراي" في الأعراس وهي تنادي بخصال الجود والخير.
"تغريبة دلدول" ليست مجرد سرد لتنقلات شيخ مقاوم، بل هي غوص في الوجدان الشعبي لأهل قورارة، وإعادة اعتبار لـ "عمرة منسية" في سيرة بوعمامة، يكتبها البروفيسور الصديق حاج أحمد بلغة تنهل من عبق الأرض وتاريخ القصور، مؤكداً مرة أخرى بصمته الخاصة في الرواية الجزائرية المعاصرة التي تجعل من الهامش الجغرافي مركزاً للمتن الحكائي.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق