صدرت مؤخراً عن دار "الدواية" للنشر الرواية الجديدة "قرار مؤجل" للشاعرة والإعلامية والروائية بويبة عائشة ، لتقدم للقارئ عملاً اجتماعياً نفسياً يغوص في تعقيدات الذات الإنسانية، وتحديداً في عالم المرأة الجزائرية المعاصرة التي تحاول الموازنة بين وهج النجاح المهني وانكسارات الروح في الغرف المغلقة، وتتمحور أحداث الرواية حول شخصية "هند"، طبيبة العيون الناجحة التي استطاعت بجهدها الخاص أن تؤسس عيادتها وتثبت كفاءتها في محيط تنافسي لا يعترف إلا بالأقوياء، إلا أن بوبية لم تشأ أن ترسم بطلتها كنموذج أحادي الجانب للنجاح، بل اختارت أن ترينا "هند" في لحظات ضعفها الإنساني، حين تصطدم بخيبات عاطفية وزوجية مريرة تركت في وجدانها ندوباً لا تعالجها الآلآت الطبية، وتتجاوز الرواية النظرة التقليدية للفشل كـ "وصمة" اجتماعية، لتطرحه كحالة تحول ضرورية ونقطة انطلاق نحو الوعي، وهند في "قرار مؤجل" ليست ضحية للظروف أو للرجل، بل هي إنسانة في رحلة بحث شاقة عن التوازن بين العقل والقلب، وبين استقلالها المادي والمهني كطبيبة قوية، وحاجتها العميقة للاحتواء والاعتراف بها كأنثى، ويبرز العنوان "قرار مؤجل" كفلسفة محورية في العمل، حيث تضعنا الكاتبة أمام تساؤل وجودي: هل نؤجل قراراتنا خوفاً من المواجهة؟ أم أن التأجيل هو في الواقع انتظار لنضج داخلي يسمح لنا باتخاذ الخطوة في الوقت المناسب؟ الرواية تصرخ في وجه الاندفاع، مؤكدة أن القرارات المصيرية ليست نوبات غضب عابرة، بل هي ثمرة رحلة وعي طويلة ومؤلمة أحياناً، وبأسلوبها السردي الذي يجمع بين الدقة الإعلامية والحس الشعري، تنجح عائشة بويبة في تقديم لوحة واقعية تلامس الكثير من النساء اللواتي يجدن أنفسهن أمام خيار صعب: إما الحفاظ على الصورة الاجتماعية البراقة، أو مواجهة الحقيقة والبحث عن الذات الحقيقية مهما كان الثمن. "قرار مؤجل" هي دعوة للقراءة من أجل الفهم، ودعوة للبطلة وللقارئ معاً لعدم الخوف من القرارات التي، وإن تأجلت، ستأتي حتماً لتضع النقاط على حروف الحياة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق