الأربعاء، 8 أبريل 2026

الحاج المختار فرفور: رحيل الجسد وبقاء الأثر.. حكاية خيرٍ لا تنتهي

في سجلات الخالدين بأفعالهم، لا تُقاس الأعمار بالسنين، بل بمقدار ما زرعت الأيدي من خير وما جادت به الأنفس من عطاء. وحين نذكر الحاج المختار فرفور (رحمه الله)، فإننا لا نتحدث عن غائب، بل عن حاضرٍ في كل دمعة يتيم جُففت، وفي كل أنة مريضٍ سُكنت، وفي كل بيتٍ دخله بفيض كرمه وسماحة خلقه.

الموقف الأخير: سباقٌ مع الزمن نحو الجنان

قبل أن يختاره القدر ليكون بجوار ربه مع ابنه في ذلك الحادث الأليم عام 2019، كان الحاج المختار يخطُّ بيمينه آخر فصول حياته في الدنيا؛ فصلٌ عنوانه "الإخلاص". يروي التاريخ بلسان الصدق أنه قبل رحيله بثمان وأربعين ساعة فقط، لم تكن تشغله الدنيا وزخرفها، بل كان مشغولاً بقلبه المعلق بالآخرة.

حين علم بحاجة أحد أخوانه في الإسلام لتكملة مبلغ عملية جراحية، لم يتردد، ولم يسأل عن تفاصيل تُثقل كاهل المحتاج، بل كانت كلماته قصيرة في مبناها، عظيمة في معناها: "وين أراك؟.. العشية نتلاقاو". لقد كان يبحث عن "الخير" وكأنه يبحث عن كنزٍ مفقود، فجاء بنفسه، وانتظر في الطريق، وسلم الأمانة كاملة دون منٍّ أو رياء، وكأن لسان حاله يقول: "ما عندكم ينفد وما عند الله باق".

سفير الأخلاق في الحلّ والحرم

لم يكن الحاج المختار مجرد عابر سبيل في حياة مدننا، بل كان سفيراً للإنسان؛ مثل تمقطن وأولف وأدرار خير تمثيل. عرفته المساجد عماراً، وعرفته الدروب غياثاً للملهوف. تميز بروحٍ شفافة، وخلقٍ حسن يأسر القلوب قبل العقول، فكان الصغير يرى فيه الأب، واليتيم يجد فيه السند، والمريض يبصر في عطائه بارقة الأمل.

غيابٌ أوجع القلوب ونبلٌ أبكى العيون

إن المصاب الذي فجعت به المنطقة برحيله هو وابنه في ذلك العام ( عام 2019 ) لم يكن فقدان شخص فحسب، بل كان انطفاء شمعة كانت تضيء دروب المحتاجين، لذلك يمكن أن نقول لقد بكته أدرار بنخيلها، وودعته أولف بدموع محبيها، ونعته تمقطن بمرارة الفقد؛ لأنه كان الرجل الذي إذا وُجد حلت السكينة، وإذا تكلم نطق بالحق والخير.

دعوة من القلب.. اذكروا محاسن موتاكم

يا من تقرأون هذه الكلمات، إن الحاج المختار فرفور قد أفضى إلى ما قدم، وترك لنا عبق سيرته لنستنشق منها معاني الوفاء. نسأل الله العظيم، رب العرش الكريم، في هذه اللحظات الإيمانية:

"اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس. اللهم اجعل ما قدمه من خير في موازين حسناته، واجمعنا به وبابنه ووالديه في جنات النعيم مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً."

نم قرير العين يا أبا الخير، فقد تركت خلفك رجالاً يذكرونك بالدعاء، وتاريخاً من العطاء لن يمحوه الزمن. 








ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق