الأربعاء، 15 أبريل 2026

ويترجل الفارس.. بن مالك محمد الخليفة: غياب القدوة واحتراق شمعة العلم في دروب أولف

بقلوب يملؤها الرضا بما قسمه الله، ويعصرها الحزن على فراق الأحبة، ودعت يوم الثلاثاء 14 أفريل 2026، أولف هامة من هامات التربية، ورجلاً لم يكن مجرد عابر سبيل في دروب التعليم، بل كان أمة في رجل. 

حيث تلقت أسرة التربية والتعليم بأولف خاصة وأدرار عامة ببالغ الأسى والحزن، يوم الاثنين 13 أفريل 2026، نبأ رحيل الأستاذ الفاضل والمربي القدير، بن مالك محمد الخليفة، أستاذ اللغة العربية الذي لم تكن كلماته مجرد دروس تُلقى، بل كانت غراساً تُزرع في القلوب والعقول، فأنبتت جيلاً يحمل من أدبه وسعة علمه قبساً لا ينطفئ. لقد كان الفقيد مثالاً حياً للإخلاص الذي قلّ نظيره، وتجسيداً للمربي الواضح والقدوة التي يتطلع إليها التلميذ والزميل على حد سواء، حيث عُرف الراحل أثناء تدريسه في الثانوية وفي مجتمعه بغزارة العلم وسعة الاطلاع التي لم تزده إلا تواضعاً، وبدماثة خلق رفعت شأنه بين الناس، فكان أدبه الجمّ يسبق علمه، وابتسامته الصادقة مفتاحاً للقلوب قبل العقول، لذلك فقدت منطقة "أولف" خاصة، وولاية أدرار والجزائر عامة، رمزاً من رموز المعرفة وقامة تربوية أفنت عمرها في خدمة لغة الضاد، وتنشئة الأجيال على قيم الصلاح والاستقامة، تاركاً وراءه أثراً طيباً لا يمحوه غياب الجسد، وسيرة عطرة ستظل نبراساً يهتدي به السائرون في طريق العلم.

ولم يكن الأستاذ بن مالك محمد الخليفة الذي يعد سليل أسرة علمية، حبيس الجدران المدرسية فحسب، بل كان وجهاً مشرقاً في فضاءات الروح والإيمان؛ فرغم مكانته العلمية المرموقة، ظل تلميذاً وفياً في حلقات العلم بمدرسة الشيخ "باي بلعالم"، مبرهناً على أن طالب العلم الحقيقي لا يشبع من معين المعرفة. وفي بيوت الله، كان الفقيد حمامة مسجد، لا تخطئه العين في صلاة الجماعة، وكان يُستخلف للإمامة لصلاحه وتقواه، فكان صوته في المحراب يبعث السكينة، تماماً كما كانت كلماته في الفصل تبني المستقبل.

إن رحيل هذا الفارس الذي ترجل عن صهوة الحياة يترك فراغاً لا يملؤه إلا الإيمان بقضاء الله، فبرحيله تفقد الأسرة التربوية واحداً من خيرة رجالاتها الذين لم يطلبوا جاهاً ولا سمعة، بل كان همهم الوحيد أداء الأمانة على أكمل وجه. إننا ونحن نعزي أنفسنا قبل عائلته الكريمة، نرفع أكف الضراعة إلى المولى عز وجل أن يتغمد الفقيد بواسع رحمته، وأن يتقبل علمه وعمله صدقة جارية في ميزان حسناته، وأن يسكنه الفردوس الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ويلهم أهله وتلامذته وجميع محبيه الصبر والسلوان.. وداعاً أيها المربي الكبير، ونم قرير العين، فذكراك باقية ما بقي الحرف والكلمة. 






ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق