تحت الرعاية السامية للسيدة وزيرة الثقافة والفنون، وبإشراف مباشر من والي ولاية أدرار، احتضنت المكتبة الرئيسية للمطالعة العمومية للمجاهد المرحوم "هاشمي قويدر" يوم 12 ماي 2026، فعاليات الملتقى الوطني الموسوم بـ "التراث الوطني والطفل: من الأحجية إلى الذكاء الاصطناعي". ويأتي تنظيم هذا الحدث الثقافي البارز تزامناً مع شهر التراث لعام 2026، حاملاً شعار "تراثنا.. حضارتنا"، ليمد جسوراً معرفية بين الذاكرة الشعبية العريقة والتحولات الرقمية المتسارعة، انطلق الملتقى ببرنامج ثري افتتح بآيات بينات من الذكر الحكيم والنشيد الوطني، تلتها كلمات ترحيبية وتوجيهية أكدت في مجملها على ضرورة صون الموروث الثقافي وإعادة توظيفه ضمن سياقات حديثة تستجيب لخصائص طفل العصر، وقد ركزت الديباجة العلمية للملتقى على أن كتاب الطفل لم يعد مجرد وسيط تقليدي، بل صار مجالاً ديناميكياً يتقاطع فيه التراث مع التقنيات الذكية، خاصة مع بروز الذكاء الاصطناعي الذي حول التراث الشفهي من مادة جامدة إلى محتوى قابل للرقمنة والتفاعل، وشهدت الجلسات العلمية زخماً فكرياً كبيراً، حيث استهلت بمداخلة افتتاحية للأستاذة الدكتورة دليل سميحة حول هندسة الهوية الرقمية للطفل العربي، تلاها نقاش معمق عبر جلستين علميتين؛ تناولت الجلسة الأولى دور القصص القرآني في تشكيل الوعي، وتجارب تعزيز القراءة في ظل التطور التكنولوجي، بالإضافة إلى أبعاد القصة الشعبية في أقاليم توات، كما سلط المحاضرون الضوء على تنمية الذكاء العاطفي للطفل من خلال "البطل الشعبي" و"البطل الرقمي"، والبحث في دور الكتاب الصوتي كفضاء لتنمية الخيال، أما الجلسة الثانية، فقد غاصت في تفاصيل تقنية ومعرفية دقيقة، ناقشت حماية الأحاجي الشعبية من الضياع عبر الرقمنة، واستثمار الذكاء الاصطناعي في إنتاج المحتوى الأدبي الموجه للناشئة. ولم يغفل الملتقى الجانب الإنساني والشمولي للمعرفة، حيث طرحت إشكالية إتاحة المعرفة لفئة ذوي الإعاقة البصرية من خلال تقنيات "برايل" والوسائط السمعية، تأكيداً على حق الجميع في الوصول إلى التراث الثقافي، واختتم الملتقى أشغاله بقراءة جملة من التوصيات التي شددت على أهمية بناء مقاربة متكاملة تجمع بين أصالة التراث وابتكارات التكنولوجيا، تلتها عملية توزيع شهادات المشاركة على الأساتذة والباحثين الذين قدموا من مختلف الجامعات الجزائرية، ويبقى هذا الملتقى خطوة رائدة نحو صياغة هوية ثقافية متوازنة للطفل الجزائري، تحترم جذوره التاريخية وتتطلع بثقة نحو مستقبل تقني بلا حدود.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق