الجمعة، 1 مايو 2026

الأستاذ بن عبد الكريم دحمان: منارةُ التربية وعملاقُ الأجيال

يقولون إن التعليم مهنة، لكننا حين نتحدث عن الأستاذ والمربي القدير بن عبد الكريم دحمان، فنحن لا نتحدث عن موظف أدى واجبه، بل عن "رسولِ معرفة" اتخذ من قاعات الدراسة محراباً، ومن غرس القيم عقيدةً عاش لأجلها أكثر من اثنين وثلاثين عاماً.

​رحلة العطاء: اثنان وثلاثون عاماً من صياغة العقول

​ليس من السهل أن يقضي الإنسان ثلاثة عقود ونيّف في خدمة التربية والتعليم دون أن يتسلل الكلل إلى روحه، لكن الأستاذ بن عبد الكريم كسر هذه القاعدة، لقد وهب زهرة شبابه وخلاصة فكره لمادة الاجتماعيات، محولاً التاريخ والجغرافيا من نصوص جامدة إلى دروس في الحياة والانتماء، فكان في كل حصة يزرع في تلاميذه أن الأمم لا تُبنى إلا بالعلم والمنضبطين الصادقين.

​المربي السيكولوجي: الحزمُ في ثوب الرحمة

​ما ميز الأستاذ دحمان هو عمق إدراكه للنفس البشرية؛ فبفضل إلمامه الواسع بـ علم النفس العام وعلم نفس الطفل والمراهق، لم يكن يتعامل مع تلاميذه كأرقام في سجل، بل كنفوسٍ تحتاج إلى رعاية خاصة.

​وقت الحزم: كان جبلًا أشم، يغرس الهيبة في النفوس ليُعلمهم قيمة النظام والالتزام.

​وقت اللين: كان أباً رحيماً وعطوفاً، يمسح على قلوب المتعثرين ويأخذ بأيديهم، مدركاً متى يحتاج المراهق إلى الكلمة الطيبة التي تفعل ما لا يفعله التوبيخ.

​دقة الأثر: التفاصيل التي تصنع العظمة

​إن عظمة الأستاذ بن عبد الكريم تكمن في تلك التفاصيل الصغيرة التي قد يغفل عنها الكثيرون، يُحكى عنه أنه كان "سيد الوقت"؛ فلا تأخير يخدش انضباطه، ولا تقصير يمس تفانيه.

​وإذا أردت أن تبحث عن أثره بعد رحيل الجميع ونهاية يوم دراسي شاق، فما عليك إلا أن تنظر إلى الأقسام؛ فإذا وجدت قسماً تُرتبت طاولاته بعناية، وأُغلقت نوافذه بدقة، وهدأت أركانه وكأنه ينتظر بشوق صباحاً جديداً، فاعلم يقيناً أن الأستاذ بن عبد الكريم دحمان كان آخر من مرّ من هنا، إنه الأستاذ الذي لا يترك وراءه إلا الأثر الجميل والترتيب المتقن، تماماً كما ترك في عقول طلابه فكراً منظماً وروحاً منضبطة.

​كلمة حق في "أستاذ الأساتذة"

​لقد كان الأستاذ بن عبد الكريم دحمان نموذجاً حياً
للمربي الذي يؤدي واجبه من جميع الجوانب، وبأقصى درجات الإتقان، ولو كان الكمال البشري متاحاً لغير الأنبياء، لكان نصيب هذا الرجل منه وافراً.

​إننا اليوم لا نكرم مجرد أستاذ متقاعد، بل نكرم مدرسةً متنقلة، ورجلاً ترك بصمةً لن يمحوها الزمن، يا أستاذ الأساتذة، ويا قدوة المربين، لقد أديت الأمانة، ونصحت الأجيال، وخرجت من ميدان التربية مرفوع الرأس، تاركاً خلفك جيشاً من المحبين الذين يذكرون اسمك بكل فخر واعتزاز.

​ستبقى ذكراك مخلدة في زوايا المؤسسات التي خدمتها، وفي قلوب كل من نهل من علمك وأدبك، هنيئاً لك هذا الإرث العظيم، وهنيئاً للمنظومة التربوية برجلٍ بمقامك.  


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق