الثلاثاء، 18 أغسطس 2026

السيرة العطرة للأستاذ المربي عبد الله عوماري من نبع ساهل إلى صرح الحكمة

لطالما كان حي ساهل العتيق ببلدية أقبلي التاريخية يمثل ينبوعاً يتفجر بسيول العلم والفهم عبر عقود خلت، ولا يزال يرشح بسيله البارد العذب لتنبع منه روضة وارفة الظلال بالعلماء ورواد الطليعة؛ فإن من يطرق أبواب هذا الحي الوهاج يجد نفسه في زحمة عارمة أمام وفرة الأعلام ونخبة صدور العلم والقرآن، الذين يلوحون كنجوم تتراقص في ليل صحراوي مدلهم لتكون هدى لعابري البيداء في دائرة أولف بولاية أدرار، ومن هذه النجوم التي أضاءت نسيج المنطقة، الأستاذ والمربي المتقاعد ذو الأخلاق الرفيعة وبحر العلم الفياض، عبد الله عوماري بن ناجم.

ولد هذا المربي القدير عام 1952 بقلب حي ساهل الأشم، ونشأ في رعاية والدين كريمين بين أحضان يسر العيش وبساطته التي تسكب في النفس القناعة والشموخ، حيث ابتدأ رحلته مع الحرف مدفوعاً بشغف مبكر، فدخل الكتّاب في سن السادسة ليغرف من كتاب الله عز وجل، ومع افتتاح المدرسة الابتدائية بحي أركشاش عام 1959 التحق بها يتلقى العلم على أيدي معلمين أجانب باللغة الفرنسية، حتى تحول نمط التدريس عام 1962 إلى التعليم المزدوج. ومع إشراقة عام 1966 وافتتاح أقسام دراسية بحيه الأم "ساهل"، كان الأستاذ عبد الله من طليعة الفرسان الذين توجوا كأول دفعة تنال شهادة التعليم الابتدائي من تلك المدرسة المعطاءة، ولم تتوقف طموحات الفتى الشامخة عند حدود قريته، بل انطلق يقطع الفيافي طالباً للمعرفة، فالتحق بمتوسطة عين صالح في الموسم الدراسي 1968-1969، ثم ارتحل إلى ثانوية ديدوش مراد بالمنيعة في العام الدراسي 1972-1973، حتى حطت رحاله في المعهد التكنولوجي للتربية ببوزريعة بالعاصمة خلال العام الدراسي 1975-1976، ليقطع أشواطاً من العطاء الأكاديمي وتكلل مساعيه بنيل شهادة مهنية في تدريس اللغة العربية لمرحلة التعليم المتوسط.

وفي أكتوبر من عام 1976، بدأ الفصل الأبرز في مسيرته عند تعيينه أستاذًا للغة الضاد بملحقة متوسطة أدرار في أولف (مدرسة الشيخ محمد القرافي حالياً)، لينتقل بعدها إلى متوسطة الإمام مالك فور افتتاحها، حيث ظل ينشر ضياء المعرفة ويربي الأجيال بوفاء ونكران ذات، حتى قطف ثمرة عقود من البذل بحصوله على التقاعد في ديسمبر 2012.

لقد رسم هذا الرجل النادر سيرة عطرة جعلت من الصمت لديه أبلغ من كل كلام؛ فكان يتكلم في صمت، ويبتسم في صمت، ويعمل في صمت، ويحترم الجميع في صمت مهيب رقيق، ولقد تجسدت الحكمة في أبهى صورها بشخصه الكريم؛ حيث يتذكر أجيال من تلامذته كيف كان يعالج أعقد مشكلاتهم وأزماتهم برزانة صمته الوقور، متمسكاً بأسنى الخصال التي تجعل الإنسان إما أن يقول خيراً أو ليصمت. إنها مسيرة رجل استثنائي سيبقى أثره خالداً في قلوب أبنائه وبصمة فارقة في تاريخ المنطقة، داعين المولى عز وجل أن يجعل صمته حرزاً له، وأن يسبغ عليه وافر الصحة ودوام العافية، وأن يجعل حياته سعادة ورزقه في زيادة، ويحفظ له أحبابه وخلانه ويجمعهم في عليين إخواناً على سرر متقابلين.

كتبت هذا المقال من منشور في صفحة فضاء مدير المدارس الابتدائية لدائرة أولف، على الفيس بوك، كتب بتاريخ 10 ماي 2023. 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق