الاثنين، 3 أغسطس 2026

الأستاذ وانس محمد الناجم: منارة العلم والمعرفة ومحراب التقوى والعطاء

تتضاءل الكلمات وتتوارى العبارات عندما تحاول الإحاطة بسيرة قامة تربوية واجتماعية ودينية نذرت عمرها لخدمة العلم، ونشر الوعي، وتربية الأجيال. إن الحديث عن الأستاذ "وانس محمد الناجم" هو حديث عن مسيرة حافلة بالعطاء الصامت، والعمل الدؤوب الذي أضاء ظلمات الجهل، وغرس قيم الفضيلة في النفوس. إنه رجل من أولئك الرجال الأفذاذ الذين إذا ذكروا ذكرت الأخلاق الرفيعة، والتفاني النادر، والإخلاص الذي لا تشوبه شائبة، حيث ارتبط اسمه بالتربية والتعليم، وبمحاريب المساجد، وبكل مأثرة حميدة تعلو بشأن الإنسان والمجتمع.

​نبت الأستاذ وانس محمد الناجم في بيئة طيبة، حيث ولد في الأول من ديسمبر عام 1959 بأولف، وتكنى بـ "الناجم" نسبة إلى صديق والده الفاضل الذي طلب تسميته بها، فجمع الاسم بين الرغبة والمطلوب. ومنذ نعومة أظفاره، كان شغفه بالعلم يسبق سنين عمره؛ إذ التحق بالمدرسة القرآنية للشيخ المغربي في الفترة بين 1964 و1965، وظل ينهل من حياضها زهاء ثلاث سنوات تحت صرامة الشيخ الطالب عبد الله، لتتفتح موهبته وتتجلى عزيمته. وما لبثت والدته الكريمة، رحمها الله، أن وجهته نحو مدرسة الشيخ محمد بن عبد الرحمن الزاوي، ليدخل مرحلة جديدة من حفظ القرآن الكريم واستظهار المتون في حلقات الدرس المسائية عقب صلاة المغرب، حتى ختم كتاب الله في الموسم الدراسي 1973/1974. ولم يكتفِ بالتلقي، بل كان يعين شيخه بالمدرسة في تعليم الأطفال في كل صيف، يُعَلِّمُ ويُكَرِّرُ بعد عودته من أدرار التي كان يرحل إليها طلباً للدراسة النظامية.

​واصل الأستاذ مسيرته التعليمية بشغف لا يهدأ، فحصل على شهادة التعليم الابتدائي، ثم نجح في مسابقة الدخول لمعهد التعليم الأصلي بأدرار وتوج دراسته فيه بشهادة التعليم المتوسط (1974-1978). ثم التحق بالتعليم الثانوي بثانوية بلكين الثاني بأدرار وتوج هذه الرحلة العلمية بنيله شهادة البكالوريا دورة يونيو 1981. ولم تتوقف طموحاته عند هذا الحد، بل ارتحل إلى جامعة الجزائر ليلتحق بكلية الأدب العربي، حيث توج مساره الجامعي بنيل شهادة ليسانس في الأدب العربي عام 1986. وفي سبتمبر من العام نفسه، بدأ أولى خطواته في ميدان التدريس بالثانوية المختلطة بعيني صالح كأستاذ للأدب العربي، يؤدي أمانة الكلمة ورسالة الحرف.

​ولأن حب الوطن جزء من عقيدة الفرسان، التحق بالخدمة العسكرية عام 1988 لأداء الواجب الوطني، لينتقل بعدها إلى الخدمة المدنية مواصلاً التدريس حتى أتم خدمته الوطنية عام 1990، ليعاد تعيينه في منصبه الأصلي كأستاذ للأدب العربي، ثم يُعين نائباً لمدير الثانوي بين عامي 1992 و1994. لكن الأستاذ محمد بن ناجم لم يكن يرى في التدريس مجرد وظيفة يؤديها، بل رسالة تربوية وإصلاحية؛ فدَأَبَ على التطوع في مجالات الإرشاد والتوعية والإصلاح الاجتماعي والديني، ممتلياً حماساً ونشاطاً عبر منابر المساجد، والندوات، والمحاضرات الاجتماعية، غارساً في الناشئة قيم الدين الحنيف وأسس التربية السليمة.

​ولم تكن جهوده تلك لتمضي دون أن تترك أثراً عميقاً في نفوس طلابه الذين أضحوا اليوم أعلاماً وإطارات في مختلف مؤسسات الدولة؛ فقد تتلمذ على يديه وتأثر بحصصه ومحاضراته أجيال متعاقبة، منهم الأستاذ، والمهندس، والمحامي، والدكتور الجامعي، ومستشار التربية، ومدير الثانوية، والإطار في مختلف القطاعات الوزارية والولائية. إن القائمة الطويلة لطلابه النجلاء لتقف شاهدة على عظمة الأثر، وصدق النية، وبركة العطاء الذي بذله هذا الأستاذ القدير في حجرات الدراسة ومحاريب العلم.

​وفي نهاية عام 2001، انتقل الأستاذ وانس محمد الناجم إلى مرحلة جديدة من رسالته النبيلة، مغادراً القسم ليلتحق بملحق محو الأمية وتعليم الكبار، حيث ترقى إلى مدير ملحق للديوان الوطني لمحو الأمية وتعليم الكبار بولاية تمنراست. وهناك، واصل الليل بالنهار لنشر نور العلم في تلك الرقعة الغالية من الوطن، حاملاً مشعل محو الجهل، ومساهماً في إيصال الرسالة إلى أقصى الديار. وبرز نشاطه التوعوي عبر أثير إذاعة الأهقار بتمنراست من خلال برنامجه الأسبوعي المستفيض "مشعل الحياة"، الذي كان نافذة إعلامية رفيعة تشجع الكبار والصغار ممن فاتهم قطار التعليم على الانخراط في أقسام محو الأمية. كما أشرف على تنظيم المعارض والندوات والأيام الوطنية والعالمية للمحو الأمية، مكرساً أكثر من 35 سنة من عمره في خدمة التربية والتعليم، حتى أحيل على التقاعد عام 2021 متوجاً مسيرة أسطورية حافلة بالنجاحات والشهادات والإجازات العلمية من كبار الشيوخ، كالإجازة من الشيخ الزاوي، والشيخ محمد بن مالك، والشيخ محمد بابا، والشيخ محمد مقدم، والشيخ بوسليم.

​ولأن معدن الرجال الأصلاء لا يغيره التقاعد، فقد استمر الأستاذ وانس محمد الناجم بعد إحالته على التقاعد في أداء رسالته السماوية بنفس الرغبة والاحتساب؛ إذ يُعد من عُمّار المساجد المخلصين، والمساهمين في بنايتها وتشييدها، والمتطوعين لإمامة الناس والصلاة بهم عند غياب الإمام أو عدم وجوده، لا يبتغي بذلك إلا وجه الله تعالى. وما يزال إلى اليوم يتربع منابر الدروس المسجدية، ملقياً الدروس الدينية والأخلاقية خاصة قبل صلاة العشاء وفي خطب ومواعظ الجمعة، لينشر السكينة والحكمة في قلوب المصلين.

​إن الأستاذ "وانس محمد الناجم" يمثل النموذج الحي للمربي المخلص، والعالم العامل، والمواطن الصالح الذي أفنى زهرة شبابه في محاربة الجهل وبناء العقول، وترسيخ الفضيلة. إن سيل عطائه الممتد عبر العقود، وأخلاقه العالية، وحضوره المستمر في خدمة بيوت الله والمجتمع، يجعله قامة تُرفع لها الهامات إجلالاً وتكبيراً. فهو ليس مجرد أستاذ متقاعد، بل هو رمزٌ يُقتدى به، وأثرٌ طيب يضيء طريق الأجيال القادمة، وذكراه ستبقى حية في وجدان كل من عرفه، ونبتت في قلبه غرسة من غراس علمه وأخلاقه.

كتبت هذا المقال من معلومات من المعني مباشرة ومن خلال ما عرفته عنه شخصيا، لأنني كنت من تلاميذه في القسم الخاص الذي فتحته الثانوية المختلطة بعين صالح بداية التسعينات من القرن الماضي للمشاركين الأحرار  في شهادة البكلوريا، كما إستعنت بالذكاء الإصطناعي في الكتابة من التسريع وكسب الوقت.

بلوافي عبدالرحمن بن هيبه المشرف التربوي الرئيسي والباحث والإعلامي والكاتب والشاعر وإمام الصلوت الخمس المتطوع. 





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق