في لحظات الفواجع والأزمات، لا تُقاس منازل الرجال بالكلمات أو الشعارات البرّاقة، بل تُمتحن العزائم في ميادين البلاء، وتتجلّى أسمى معاني الإنسانية في أبهى صورها وأعمق معانيها. إن الوفاء بالعهد ليس مجرد مجاملات تُقال، ولا القسم المهني حروفاً تُردد على الألسنة في المحافل، بل هو موقفٌ راسخ، وإيمانٌ يتجسد في أحلك الظروف وأصعب الأوقات. وما سجله الدكتور أقيار عبد العالي، أخصائي الأشعة بالمؤسسة الاستشفائية أولف بولاية أدرار، هو فصلٌ مشرق من فصول النبل الإنساني، وشهادة حيّة على أن روح العطاء متى ما سكنت قلب رجل مخلص، أحالت الآلام إلى آمال، وجعلت من المحنة ملحمة من ملاحم الشرف والوفاء.
لقد حمل صبيحة ذات يوم نعي حافلة ألمّ بها حادثٌ أليم، ينبض بالألم والحرقة، وقع نواحي تيميمون يوم 01 أوت 2026، وكان الطبيب نفسه أحد ركابها الذين طالتهم يد الأذى، فتعرض لإصابة بليغة في كاهله تحمّل معها آلاماً جسدية شديدة تكاد تهدّ القوى. غير أن المشهد لم يتوقف عند خط جراحه، فعندما وُطئت قدمُه عتبة المستشفى متدثراً بوجعه بصفته مصاباً يحتاج الرعاية، حدث ما يبعث على الذهول والإجلال؛ فلم ينكفئ على ذاته، ولم يستسلم لأوجاعه الحادة، بل خلغ ثوب المصاب في لحظة خاطفة، ليرتدي عباءة المنقذ والمداوي. تناسى ألمه القاسي، وتجاهل جراحه الخاصة، وهرع بين الردهات بقلبٍ يفيض بالشفقة، ويدٍ تسابق الزمن لتقديم الإسعافات والمساعدة لإخوانه من المصابين الذين كانوا في أمسّ الحاجة إلى اللمسة الحانية والخبرة المنقذة.
إن هذا الصنيع الاستثنائي ينطق بصدق المعدن وأصالة الجوهر، ويؤكد أن قسم الطبيب لم يكن مجرد طقسٍ عابر، بل كان منهج حياة وعهداً مبرماً مع الضمير قبل أن يكون مع البشر. لقد برهن هذا الموقف أن الإنسانية الحقيقية تتجاوز حدود الواجب الوظيفي النمطي لتغدو رسالة رسالية سمحة تسري في الدماء. إن روح الشجاعة والإيثار التي أبداها هذا الطبيب الشهم تُعد مفخرة للمنظومة الصحية قاطبة، ورمزاً يُحتذى به في التضحية والوفاء، ودرساً بليغاً في أن القوة الحقيقية تكمن في القدرة على بذل العطاء وسط غياهب المعاناة.
دعواتنا الصادقة تلهج بها القلوب، وأكفّنا ترتفع إلى الباري عز وجل أن يسبغ عليه شآبيب الشفاء العاجل، وأن يلبسه ثوب الصحة والعافية، ويجعل كل ثانية قضاها في تضميد جراح الآخرين، وكل قطرة عرق ووجع تحمّلها، في ميزان حسناته رفعةً وذخرًا. تحية إجلال وإكبار لكافة الشرفاء والمخلصين الذين يثبتون في كل امتحان أن الإنسانية حية لا تموت، وأن الوطن يزهر بأمثال هذه القمم الشامخة من أبنائه البررة.
ملاحظة: أقيار عبدالعالي كان في الماضي من تلاميذي في متوسطة سماعيلي الشريف أولادالحاج بلدية تيمقطن دائرة أولف ولاية أدرار دولة الجزائر، وكان من المتوقين والمتخلقين بالأخلاق الحسنة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق