يتجدد الجدال مع إشراقة كل مولد نبوي شريف، وتتردد الأصوات بين مثبت ومثبط، وتتحير الأفهام بين من يراه قربة مشروعة ومن يراه بدعة محدثة، ولأجل إزالة اللبس ورفع الغشاوة عن هذه النازلة التي أرقّت الأمة، لا بد من سلوك مسلك المنطق السديد والفهم العميق لمقاصد الشرع الحنيف، وذلك عبر طرح سؤال مفصلي على كل من يحيي هذه المناسبة، سؤال يضع النقاط على الحروف ويفرق بين الحق والباطل؛ هل تجعل هذا الاحتفال جزءاً من صميم الدين وواجباته التي يكفر تاركها أو يأثم، أم تجعله باباً من أبواب العادات ومظهراً من مظاهر المحبة والتعظيم لرسول الله صلى الله عليه وسلم؟
فإن كان الجواب بالأول، وقال القائل إن الاحتفال بالمولد النبوي هو فرض دين، وعقيدة يكتمل بها الإسلام، ومنسك أوجبه الله تعالى، فهنا يُقال له بلسان الشريعة القاطع: لقد أحدثت في الدين ما ليس منه، ووقعت في حومة البدعة المذمومة، لأن تشريع الأحكام وإيجاب العبادات حق خالص لله عز وجل، لا يملك أحد كائناً من كان أن يضيف على الدين شيئاً بعد أن أعلنه المولى مكتملاً مجيداً في قوله تبارك وتعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾، وتتجلى خطورة هذا المسلك فيما صح عن المصطفى صلى الله عليه وسلم من قوله: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ»، وفي رواية أخرى: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»، فالقصد من العبادة إذا شابه التشريع المبتدع أصبح مردوداً على صاحبه، ومخالفاً لسنّة النبي الذي حذرنا أشد التحذير فقال: «وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ».
أما إذا كان الجواب بالثاني، وأقر المحتفل بلسان صدقٍ وثبات أنه لا يعتقد وجوب هذا الاحتفال ولا يراه تشريعاً مستقلاً ولا نسكاً من مناسك الدين، وإنما يتخذه عادةً اجتماعية ومناسبة كريمة يستحضر فيها السيرة العطرة، ويزداد بها حباً وتعظيماً لشخص النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، فيفرح بنعمة إرساله ويثني على رب العالمين بما أنعم، فهنا يستقيم الأمر وتتضح الحقيقة، ويُقال له: لا بأس بذلك ولا حرج، إذ نقلت الفعل من دائرة التعبد المبتدع إلى دائرة العادات والمباحات التي تُحمد مقاصدها، لأن أصل الأشياء والأفعال العادية الإباحة ما لم يرد دليل بالتحريم، واستحضار محبة الرسول صلى الله عليه وسلم والابتهاج بوجوده أمر يتسق مع أصل الحث القرآني في قوله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾، وأي رحمة أعظم وأجلّ للأرض والسماء من بعثة النبي الخاتم الذي قال فيه رب العزة: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾.
إن حقيقة تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم لا تتوقف عند حدود الشكليات، ولكن الفرح به صلى الله عليه وسلم كعاطفة جياشة وعادة طيبة يُطعم فيها الطعام، وتُقرأ فيها السيرة، وتُجتمع فيها القلوب على الصلاة والسلام عليه، تفقد وصف البدعة النكراء متى ما خلت من الغلو والمحرمات، ومتى ما انضبطت بوعي جازم بأنها ليست فرائض ولا سنناً راتبة أوجبها الشارع، بل هي فرصة استثمارية لمشاعر المحبة الجياشة التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ»، فالفرق جوهري وساطع بين من يتخذ اليوم ديناً وتشريعاً فيقع في شباك الإحداث، وبين من يتخذه عاطفة وعادة يبتغي بها التذكير والتعظيم فيبقى في فسحة المباح وجلال المقصد.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق