الأحد، 2 أغسطس 2026

أبي أثرٌ لا يموت.. وسيرةٌ تُضيء العتمة

رحل ولكنّه ما غاب، ومضى إلى جوار ربه ولكنّ خطواته المباركة ما زالت حيةً تطرق أبواب القلوب وتفيض بالأمل. رحل عنّي وأنا طفلٌ لم أبلغ من العمر سوى ثلاثة عشر عاماً، في سنٍّ كان الفؤاد فيها أحوج ما يكون إلى ظله الدفيء، وإلى يده التي تمسح على حزن الأيام، لكنّ الله سبحانه وتعالى الذي أخذ الجسد أبقى لي ميراثاً لا تفنيه السنون، ولا تبليه الأيام؛ أبقى لي سيرةً عاطرة، وذكراً حسناً، وأثراً طيباً يتردد صداه في كل مكان.

لقد كان والدي رحمه الله صورةً حيةً للخير والمروءة، رجلاً لا يعرف القلب منه غلاً ولا حقداً، جعل الناس عنده سواسية، فكان يفيض بجوده وإحسانه على الجميع دون تفريق بين جنسٍ أو لون، يبتدئهم بالكلمة الطيبة التي تأسر القلوب، ويجبر خواطرهم بابتسامته السخية ومبادراته التي لا تنقطع. كان سفيراً للمحبة، وواصلاً للأرحام، ساعياً في قضاء حوائج القريب والبعيد، حتى شهد له بذلك كل من عرفه أو جالسه أو خالطه، وغدت هذه الصفات الشريفة وسمه الذي يُعرف به بين الناس، ووسامه الذي يفخر به كل من ينتمي إليه.

وكلما انطوت السنون واستمعتُ إلى أحدهم وهو يذكره بخير، أو يروي موقفاً نبعد عنه غبار الزمن ليُظهر معدنه الأصيل، ازددتُ يقيناً راسخاً بأنّ أعظم ما يتركه المرء في هذه الحياة الفانية ليس المتاع ولا المال، بل هو العمل الصالح، والذكر الطيب، والأثر الذي ينبت ورداً في أرواح الآخرين. إنّ ألم الفراق وإن كان عاتياً، واللوعة وإن كانت حاضرة، إلا أن سيرة والدي العاطرة هي البلسم الذي يداوي جراح الفقد، وهي النهار الذي يبدد ظلمات الحزن.

ولعل من أروع المظاهر التي تجسد هذا الفضل الإلهي، ما حدث في اليوم الثاني من عيد الأضحى المبارك، في الثامن والعشرين من شهر ماي لعام 2026؛ بينما كنا نجوب الديار لنصل الأرحام ونعايد كبار القوم، التقانا رجلٌ أصغر مني سناً، فنظر إلينا ونبضات الوفاء تسبق كلماته، وقال بصوتٍ هزّ أركان أفئدتنا: "كلما رأيتكم، تذكرتُ أبانا جميعاً، تذكرتُ أباك. لقد كنتُ صبياً صغيراً في المستشفى يعاني من كسر، وكان أبوك رزيئاً بمرضه يقيم في المستشفى ذاته، ورغم علّته وثقل مرضه، لم يشغله ألمه عني، بل كان يتعهدني بالرعاية، ويغمرني بعطفه، ويمطرني بفضله وإحسانه وكأنني أحد أبنائه".

أيُّ قسَمٍ هذا الذي يُقال في حق رجلٍ نسي ألمه ليخفف عن طفلٍ غريب؟ وأيُّ روحٍ تلك التي كانت تسكن بين ضلوعه حتى تجعل المحنة ميداناً لمنح الخير والرحمة؟ إن هذا إلا فضلٌ من الله العظيم يؤتيه من يشاء من عباده الأصفياء.

فاللهم يا واسع الرحمة والمغفرة، يا من لا تضيع عندك المكارم ولا تضل لديك الأعمال، اغفر لأبي وارحمه رحمةً تسع السماوات والأرض، واجعل القرآن العظيم أنيسه في ظلمة القبر، ونوراً يستضيء به في وحدته، وشافعاً له يوم يلقاك. اللهم ارفع درجاته في عليين مع المقربين، واجزه عنا وعن كل روحٍ أسدى إليها معروفاً أو قال لها كلمة طيبة خير الجزاء وأوفاه. اللهم كما جمعتنا به في هذه الدنيا على حبك وطاعتك، اجمعنا به في جنات النعيم، في مقعد صدق عند مليك مقتدر، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسُن أولئك رفيقاً.     


الدكتور أقيار عبدالعالي يحول إصابته إلى ملحمة إنسانية وبطولة ووفاء

في لحظات الفواجع والأزمات، لا تُقاس منازل الرجال بالكلمات أو الشعارات البرّاقة، بل تُمتحن العزائم في ميادين البلاء، وتتجلّى أسمى معاني الإنسانية في أبهى صورها وأعمق معانيها. إن الوفاء بالعهد ليس مجرد مجاملات تُقال، ولا القسم المهني حروفاً تُردد على الألسنة في المحافل، بل هو موقفٌ راسخ، وإيمانٌ يتجسد في أحلك الظروف وأصعب الأوقات. وما سجله الدكتور أقيار عبد العالي، أخصائي الأشعة بالمؤسسة الاستشفائية أولف بولاية أدرار، هو فصلٌ مشرق من فصول النبل الإنساني، وشهادة حيّة على أن روح العطاء متى ما سكنت قلب رجل مخلص، أحالت الآلام إلى آمال، وجعلت من المحنة ملحمة من ملاحم الشرف والوفاء.

لقد حمل صبيحة ذات يوم نعي حافلة ألمّ بها حادثٌ أليم، ينبض بالألم والحرقة، وقع نواحي تيميمون يوم 01 أوت 2026، وكان الطبيب نفسه أحد ركابها الذين طالتهم يد الأذى، فتعرض لإصابة بليغة في كاهله تحمّل معها آلاماً جسدية شديدة تكاد تهدّ القوى. غير أن المشهد لم يتوقف عند خط جراحه، فعندما وُطئت قدمُه عتبة المستشفى متدثراً بوجعه بصفته مصاباً يحتاج الرعاية، حدث ما يبعث على الذهول والإجلال؛ فلم ينكفئ على ذاته، ولم يستسلم لأوجاعه الحادة، بل خلغ ثوب المصاب في لحظة خاطفة، ليرتدي عباءة المنقذ والمداوي. تناسى ألمه القاسي، وتجاهل جراحه الخاصة، وهرع بين الردهات بقلبٍ يفيض بالشفقة، ويدٍ تسابق الزمن لتقديم الإسعافات والمساعدة لإخوانه من المصابين الذين كانوا في أمسّ الحاجة إلى اللمسة الحانية والخبرة المنقذة.

إن هذا الصنيع الاستثنائي ينطق بصدق المعدن وأصالة الجوهر، ويؤكد أن قسم الطبيب لم يكن مجرد طقسٍ عابر، بل كان منهج حياة وعهداً مبرماً مع الضمير قبل أن يكون مع البشر. لقد برهن هذا الموقف أن الإنسانية الحقيقية تتجاوز حدود الواجب الوظيفي النمطي لتغدو رسالة رسالية سمحة تسري في الدماء. إن روح الشجاعة والإيثار التي أبداها هذا الطبيب الشهم تُعد مفخرة للمنظومة الصحية قاطبة، ورمزاً يُحتذى به في التضحية والوفاء، ودرساً بليغاً في أن القوة الحقيقية تكمن في القدرة على بذل العطاء وسط غياهب المعاناة.  

دعواتنا الصادقة تلهج بها القلوب، وأكفّنا ترتفع إلى الباري عز وجل أن يسبغ عليه شآبيب الشفاء العاجل، وأن يلبسه ثوب الصحة والعافية، ويجعل كل ثانية قضاها في تضميد جراح الآخرين، وكل قطرة عرق ووجع تحمّلها، في ميزان حسناته رفعةً وذخرًا. تحية إجلال وإكبار لكافة الشرفاء والمخلصين الذين يثبتون في كل امتحان أن الإنسانية حية لا تموت، وأن الوطن يزهر بأمثال هذه القمم الشامخة من أبنائه البررة.

ملاحظة: أقيار عبدالعالي كان في الماضي من تلاميذي في متوسطة سماعيلي الشريف أولادالحاج بلدية تيمقطن دائرة أولف ولاية أدرار دولة الجزائر، وكان من المتوقين والمتخلقين بالأخلاق الحسنة.