الجمعة، 9 يناير 2026

حقوق الإنسان: ترنيمة الأقوياء وسلاسل المستضعفين

أين هي حقوق الإنسان؟ ذلك السؤال الذي يتردد صداه اليوم في أزقة "كراكاس" المظلمة، وفي ردهات الأمم المتحدة التي باتت أشبه بمسرح صامت، لقد صِيغ القانون الدولي بمداد من وعود السلام، لكنه اليوم يُكتب بدم الشعوب التي لم تملك من أمرها سوى الحلم بالسيادة، إن ما شهدناه في فنزويلا مؤخراً، من اعتداء مفضوح واختطاف لرئيس شرعي في جنح النهار، ليس مجرد عملية عسكرية، بل هو إعلان وفاة لما يسمى "النظام العالمي القائم على القواعد".

​فنزويلا: حين تُذبح السيادة على مذبح المصالح

​لم يعد خافياً على أحد أن الشعارات البراقة عن "الديمقراطية" و"تحرير الشعوب" ليست سوى غطاء لعمليات قرصنة دولية. إن اعتقال الرئيس الفنزويلي وزوجته واقتيادهما قسراً خارج حدود بلادهما هو طعنة في قلب ميثاق الأمم المتحدة، فكيف للعالم أن يقف متفرجاً والقوي يمد يده ليقتلع رئيس دولة من قصر حكمه، ضارباً عرض الحائط بإرادة الملايين من أبناء شعبه؟ إنها سياسة "الكيل بمكيالين" في أقبح صورها؛ حيث تُفصّل حقوق الإنسان لتكون رداءً يرتديه القوي ليخفي مخالبه، وقيداً يكبّل به الضعيف ليمنعه من الصراخ.

​تاريخ من الاستباحة: سجل التدخلات الأمريكية

​ما حدث في فنزويلا ليس استثناءً، بل هو حلقة في سلسلة طويلة من الانتهاكات التي جعلت من خريطة العالم ساحة للرماية الأمريكية، إليكم بعض الأمثلة الصارخة التي تعكس هذا النهج:

تشيلي (1973): التدخل السافر الذي أطاح بالرئيس المنتخب شرعياً "سلفادور أليندي" ودعم انقلاباً عسكرياً دموياً، فقط لأن سياسات أليندي لم ترق لمصالح واشنطن الاقتصادية.

​بنما (1989): تحت ذريعة حماية المواطنين ومكافحة المخدرات، شنت الولايات المتحدة عملية "القضية العادلة"، حيث غزت بنما واعتقلت رئيسها "مانويل نورييغا" واقتادته إلى أراضيها لمحاكمته، في مشهد كررته اليوم في فنزويلا.

​العراق (2003): الغزو الذي قام على كذبة "أسلحة الدمار الشامل". دُمّرت دولة بأكملها، وحُطّمت مؤسساتها، وقُتل مئات الآلاف من المدنيين تحت شعار "حرية العراق"، ليتبين لاحقاً أن الهدف كان الهيمنة الجيوسياسية.

​ليبيا (2011): التدخل الذي تم تحت غطاء "حماية المدنيين"، والذي انتهى بإسقاط النظام وترك البلاد غارقة في فوضى السلاح والحروب الأهلية التي لم تنتهِ حتى يومنا هذا.

​خلاصة مؤلمة

​إن حقوق الإنسان التي يتغنون بها أصبحت "كلمة حق أريد بها باطل"، إنها تُستخدم كخنجر مسموم يُغرس في خاصرة الدول التي ترفض التبعية، بينما تُغمض العيون وتُصم الآذان عندما يرتكب "الحلفاء" أبشع الجرائم، وأكبر دليل على ذلك ما يحدث في غزة، إن العالم اليوم يواجه منعطفاً خطيراً؛ فإما أن يستعيد القانون الدولي هيبته ويطبق على الجميع دون استثناء، أو أننا نعلن صراحة العودة إلى "قانون الغاب"، حيث لا صوت يعلو فوق صوت القذيفة، ولا حق يُحترم إلا حق القوي في افتراس الضعيف.   


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق