مقدمة: إنّ ما نشهده اليوم في الساحة التربوية ليس مجرد أزمة عابرة أو تراجع طفيف في المنحنى التعليمي، بل هو ناقوس خطر يدق في قلب المجتمع، يُنذر بانهيار القدوة وتآكل القيم التي قامت عليها نهضتنا، وإنّ الاكتفاء بكتابة المقالات التشخيصية أو رصد الظواهر من بعيد لم يعد يجدي نفعاً؛ نحن اليوم بحاجة إلى وقفة حازمة ونقاش وطني جاد يتجاوز الشعارات الرنانة ليلامس جوهر العلة.
لقد تحولت أسوار مدارسنا، التي كانت يوماً منارات للعلم والأدب، إلى مسرح لظواهر دخيلة تدمي القلب، فوصلنا إلى مرحلة أصبح فيها "الغش" كأنه حقاً مكتسباً، وتخريب عتاد المؤسسات بطولة وهمية، وأصبح التلميذ يمزيق كتبه وكراساته و أوراق إمتحانه، ويرمي الحجارة على صرحٍ احتضن أحلامه، واصبحنا نسمع ونرى المشاهد المؤلمة للاعتداءات اللفظية والجسدية التي تطال الأساتذة والموظفين، وصولاً إلى استهداف ممتلكاتهم وسياراتهم، وهذه التصرفات ليست إلا دليلاً على شرخ عميق في المنظومة الأخلاقية والتربوية.
ضياع الهيبة.. ضياع للأمة
إنّ تراجع مكانة المربي في المجتمع هو تراجع لمكانة العلم ذاته، فالمعلم الذي كان "كاد أن يكون رسولاً"، يجد نفسه اليوم في مواجهة مباشرة مع العنف والجحود، محارباً في كرامته قبل رزقه، حيث أن هناك من يرى في إضعاف هيبة الأستاذ والمربي أمرا غير ذي بال، لكن إضعاف هيبة الأستاذ هو إضعاف للدولة، لأنّ اليد التي ترتجف أمام تلميذها لا يمكنها أن تبني جيلاً قوياً.
المدرسة لا تُبنى بطلاء الجدران ولا بتكديس المناهج، بل تُبنى بصون كرامة من يحمل رسالة التعليم.
خارطة الطريق: من التشخيص إلى الحل الجذري
إنّ استعادة الاعتبار للمدرسة الجزائرية تتطلب حلولاً شجاعة وتشاركية، لا تقبل المداهنة:
الترسانة القانونية الصارمة: لابد من سن قوانين استعجالية تحمي الأستاذ معنوياً وقانونياً داخل حرم المؤسسة، كما يجب أن يُجرم الاعتداء على المربي بأقصى العقوبات، وأن تكون للمؤسسة التربوية حرمة لا تُنتهك.
إعادة الاعتبار الاجتماعي: إنّ كرامة الأستاذ تبدأ من نظرة المجتمع له، ومن توفير الظروف التي تليق بمقامه كقائد فكري ورائد اجتماعي.
مواجهة ظاهرة الغش: الغش في الامتحان هو تدريب على الفساد في الحياة العامة، لذلك يجب أن تضرب المنظومة التربوية بيد من حديد على كل من يحاول تشويه مبدأ تكافؤ الفرص.
المسؤولية المشتركة: إنّ العنف المدرسي ليس مسؤولية الإدارة وحدها، بل هو نتاج تقصير أسري ومجتمعي، فعلى الأولياء أن يدركوا أن دورهم يبدأ من البيت بغرس احترام الكبير قبل الأستاذ وتقدير العلم والمعلم.
ختاماً، إنّ المعركة اليوم هي معركة وعي ووجود، فإما أن ننتصر للمربي ونستعيد للمدرسة هيبتها وقيمتها، أو أننا نسلم مفاتيح المستقبل للجهل والفوضى، وإنّ كرامة الأستاذ هي الخط الأحمر الذي لا يجب تجاوزه، وحمايته هي حماية للوطن في أسمى تجلياته.
فليكن نقاشنا اليوم فعلاً، لا قولاً.. وبناءً، لا مجرد رثاء.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق