تستحق القامات التربوية التي شيدت صروح العلم في صمت أن تُكتب بمداد من نور، والسيد الفاضل يوسفي أحمد هو أحد هؤلاء الفرسان الذين ترجلوا بعد مشوار حافل بالعطاء في "قصر الكاف" بتيميمون المضيافة، وغيرها من المناطق التي درس بها.
في قلب تيميمون الساحرة، حيث تروي الرمال قصص الصمود، وبروح تنتمي لـ "قصر الكاف" العريق، بزغ نجم تربوي لم يكن مجرد موظف يؤدي ساعات عمله، بل كان رسول علمٍ وحامل لواء تنوير. الأستاذ المربي يوسفي أحمد، اسمٌ يتردد صداه في أروقة المدارس الابتدائية، مختصراً حكاية اثنين وثلاثين عاماً من الشغف، والتفاني، وبناء الإنسان.
انضباط الصخر وليونة الماء
لم يكن الأستاذ يوسفي يرى في التعليم مهنة، بل رآه قدراً مقدساً. عُرف عنه انضباطٌ حديدي، فكانت عقارب الساعة تخجل من دقّاتها أمام دقة حضوره؛ لا تأخير يربك جدول يومه، ولا تقاعس يثني عزيمته. هذا الانضباط لم يكن شكلياً، بل كان درساً صامتاً يلقنه لتلاميذه كل صباح: "أن احترام الوقت هو أولى خطوات احترام الذات".
ومع ذلك الحزم الذي تفرضه هيبة الموقف التعليمي، كان يمتلك قلباً يفيض عطفاً وليونة. لقد كان يدرك بحسه المرهف متى يشتد ليقوّم اعوجاجاً، ومتى يلين ليحتوي انكساراً، متمثلاً قول الشاعر:
"قسا ليزدجروا ومن يكُ حازماً .. فليقسُ أحياناً على من يرحمُ"
سابر أغوار النفس البشرية
ما ميز الأستاذ يوسفي أحمد عن غيره هو عمق معرفته بـ علم النفس. لم يتعامل مع تلاميذه كأرقام في سجل الغياب، بل كأنفسٍ بشرية معقدة. بفضل إلمامه بعلم نفس الطفل والمراهق، كان يقرأ ما خلف العيون؛ يداوي خوف الخجول بكلمة، ويوجه طاقة المشاكس بحكمة، ويحتضن هموم الصغار قبل دروسهم. لقد كان طبيباً للقلوب قبل أن يكون معلماً للعقول، مما جعل منه ملاذاً آمناً لجيلٍ كامل من أبناء تيميمون.
إرث لا يمحوه التقاعد
اليوم، وبعد أن وضع الأستاذ يوسفي قلم الطبشور، بل منذ سنوات خلت، لم ينتهِ أثره. إن اثنان وثلاثون عاماً من الخدمة الفعلية ليست مجرد سنوات تقاعد، بل هي آلاف البذور التي زرعها في حقول "قصر الكاف" وغيرها من المناطق، والتي أثمرت اليوم أطباءً، ومهندسين، وأساتذة، يحملون في وجدانهم "لمسة يوسفي" المخلصة.
إننا نقف إجلالاً لهذا المربي الفاضل، الذي أفنى زهرة شبابه في سبيل أن يضيء عقول الآخرين. لقد كنت يا أيها الأستاذ الكريم نعم المربي، ونعم القدوة، ونعم السفير لمهنة الأنبياء.
ختاماً:
إن الكلمات تتقاصر أمام تضحياتك، لكن القلوب تحفظ لك الودّ، وتيميمون تفخر بأنك أحد أبنائها البررة.

















































