الأحد، 15 فبراير 2026

بوسليم موسى: منارة التربية وهندسة النفوس.. مسيرة جيلٍ صاغته يدٌ أمينة

في محراب العلم، هناك رجالٌ لا يمرون عابرين، بل يتركون في كل ركنٍ أثراً، وفي كل قلبٍ نبضة صالحة. ومن بين هؤلاء القامات الذين نقشوا أسماءهم بمداد من ذهب في سجلات التربية والتعليم، يبرز اسم الأستاذ والمربي الفاضل بوسليم موسى؛ الرجل الذي لم تكن المهنة لديه مجرد وظيفة يؤديها، بل رسالة حياة، وقضية وجود، وأمانة ثقيلة حملها بكل اقتدار لأكثر من ثلاثة عقود.

​اثنان وثلاثون عاماً.. احتراقٌ من أجل الضياء

​أفنى الأستاذ بوسليم أكثر من 32 عاماً من زهرة شبابه وعمره في خدمة المنظومة التربوية. تنقل فيها بين ردهات الأقسام كأستاذ للتعليم الابتدائي، يبني الحجر الأساس في عقول الصغار، وصولاً إلى دفة القيادة كمدير مدرسة اتسم بالحكمة والرزانة. هذه العقود لم تكن مجرد أرقام تُحصى، بل كانت "جهاداً تربوياً" مستمراً، صارع فيه الجهل، وزرع فيه الأمل، وخرّج فيه أجيالاً تقلدت اليوم أرفع المناصب، وما تزال تذكره بكل فخر واعتزاز.

​سيكولوجية المربي: بين حزم القائد وحنان الأب

​لم يكن الأستاذ بوسليم مجرد ناقل للمعرفة، بل كان خبيراً في النفس البشرية. وبفضل إلمامه العميق بعلم النفس العام وعلم نفس الطفل والمراهق، استطاع أن ينفذ إلى عقول تلاميذه ببراعة الجراح.

​الحزم الحكيم: كان يعرف متى يشتدّ ليزرع في نفوس تلاميذه قيم الانضباط والجدية، فكان حزمه صمام أمان يحمي الأجيال من التهاون.

​اللين العطوف: وكان يلين حين تقتضي الحاجة، فيتحول إلى أبٍ رحيم، يمسح دمعة الخوف، ويزرع الثقة في نفس المتردد.

​نصير المستضعفين: يدٌ تمتد لمن تعثر

​لعلّ أبهى صور الإنسانية في مسيرة الأستاذ بوسليم هي تلك العناية الخاصة التي كان يوليها للتلاميذ الذين يعانون من تأخر دراسي. لم يتركهم للقدر، ولم يهملهم خلف ركب المتفوقين، بل كان يرى في نجاحهم تحدياً شخصياً. كان يبذل قصارى جهده، ويستنفر كل طاقاته، لإيمانه العميق بأن "المتعثر" اليوم قد يكون "القائد" غداً إذا وجد اليد التي تأخذ بيده والقلب الذي يؤمن بقدراته.

​الإدارة الحكيمة: القدوة في القيادة

​وعندما انتقل الأستاذ بوسليم إلى كرسي الإدارة، لم يتغير جوهره. كان مديراً حكيماً وإدارياً محنكاً، يعرف كيف يدير المؤسسة بروح الفريق. تعامله مع مرؤوسيه لم يكن تعامل "رئيس بمرؤوس"، بل كان تعامل الزميل الموجه، والقائد الملهم الذي يجمع ولا يفرق، يبني جسور الثقة ويحفز الجميع على العطاء، مما جعل مدرسته نموذجاً للانضباط والتميز التربوي.

​رسالة وفاء

​إلى الأستاذ المتقاعد بوسليم موسى: إن تقاعدك عن العمل الوظيفي لم يكن إلا استراحة للمحارب، فأثرك ما يزال حياً في كل تلميذ علّمته، وفي كل زميل ألهمته. لقد غادرتم جدران المدرسة، لكنكم سكنتم في ذاكرة الأمة.

​لقد كنت "أستاذاً بإمتياز" و"مديراً بمرتبة قدوة"، وجزاك الله عن كل حرف، وعن كل لحظة تعب، وعن كل مستقبل أنقذته، خير الجزاء. ستبقى سيرتكم العطرة منارةً تضيء الدرب لكل من أراد أن يدرك المعنى الحقيقي لكلمة "مربي".   


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق