ببالغ الأسى والحزن، وبقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره، نخط هذه الكلمات لنعي شاباً من خيرة شباب عائلة الشرفاء البلغيثيين، غصنٌ طاهر من دوحة مولاي عبدالله بن مولاي هبة الله، الذي ترجل عن صهوة الحياة في ريعان شبابه، تاركاً خلفه غصة في القلوب وذكراً عاطراً لا يمحوه الزمن.
في لحظةٍ من لحظات الفقد القاسية، تنعي "أولف الكبير" وبلدية "تمقطن" بولاية أدرار، ابناً باراً من أبنائها، الشاب لهشمي مولاي عبدالرحمن بن مولاي الطاهر (نجل شيخ زاوية مولاي الطاهر). رحل "عبدالرحمن" تاركاً وراءه فراغاً لا يملؤه إلا الإيمان، وصورةً مرسومةً في الأذهان لنموذج الشاب الذي جمع بين الهيبة والسكينة، والثقة والوقار.
لقد كان الفقيد، رحمه الله، مثالاً حياً للخلق الرفيع الذي ورثه عن بيته وأصله، يشهد له كل من عرفه بذاك الهدوء الذي ينم عن نفسٍ مطمئنة، وبصوتٍ خفيض يملأه الاحترام، لم يكن لقاؤه مجرد عابر، بل كان درساً في الأدب الأصيل؛ فبكلمة "عمي" والابتسامة التي لا تفارق محياه، كان ينسج خيوط المودة والوفاء بيني وبينه، مؤكداً أن التربية الصالحة هي الإرث الحقيقي الذي لا ينقطع.
بين ممرات العلم ودروس الحياة،في متوسطة "سماعيلي الشريف" بأولاد الحاج، بدأت ملامح رجولته تتشكل، كان لي معه شأنُ المربي مع ابنه؛ فعندما يشتد المربي فإنه يشتد ليقوّم، وعندما يعاقب فإنه يعاقب ليرفع. لقد كان "مولاي عبدالرحمن" من القلة الذين أدركوا ببصيرةٍ مبكرة أن "عقاب المربي" هو يدٌ تمتد لتصحيح المسار لا لتظلم، فتقبل التوجيه بنفسٍ راضية، وظل يحمل تلك المودة والامتنان في قلبه، حتى بعد أن أخذته سبل الحياة العملية، وكانت خاتمته معطرة بالنسك
ما يخفف عنا وطأة هذا الفراق، ويجعلنا نستبشر له خيراً، أن الله عز وجل قد منّ عليه بزيارة بيته الحرام وتأدية مناسك العمرة قبل أيام قليلة من رحيله وكان أدى مناسك الحج في سنوات سابقة، فكأنما أراد الله له بأداء مناسك العمرة في الأيام القليلة السابقة، أن يغتسل من درن الدنيا، ويعود نقياً كما ولدته أمه، لتكون أنفاسه الأخيرة ممزوجة بروحانية الحرم ونداء "لبيك اللهم لبيك". إنها الخاتمة التي يتمناها المحبون، والعلامة التي يرجوها الصالحون.
كلمة الوداع
يا مولاي عبدالرحمن، إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن، وإنا لفراقك لمحزونون، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا: "إنا لله وإنا إليه راجعون".
اللهم اجعل قبره روضة من رياض الجنة، ولا تجعله حفرة من حفر النيران.
اللهم أنزله منازل الصديقين والشهداء، وأسكنه الفردوس الأعلى من الجنة.
اللهم أنبته فيما خلف من بنين وبنات نباتاً حسناً، واجعلهم خير خلف لخير سلف، وبارك في ذريته وفي أهل بيته.
اللهم جازه بالإحسان إحساناً، وعن السيئات عفواً وغفراناً، واجعل عمرته مقبولة وفي ميزان حسناته شفيعة.
رحمك الله يا مولاي عبدالرحمن، وألهم والديك و زوجتك وأبنائك وإخوانك وأخواتك وبني عمومتك ومحبيك وأصدقائك وعائلة الشرفاء البلغيثيين وسكان أولف وتمنراست الصبر والسلوان. توفى يوم 10 جانفي 2026.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق