الأحد، 17 مايو 2026

العلامة الشيخ امحمد بن مصطفى الرقادي: منارة العلم في أرض توات وسفير المعرفة الشنقيطية والجزائرية

تنحني قامات التاريخ إجلالاً لرجالٍ لم يطلبوا من الدنيا جاهاً ولا مالاً، بل جعلوا من أعمارهم شموعاً تحترق لتضيء دروب السالكين بنور العلم والقرآن، وفي قلب الصحراء الجزائرية النابضة بالإيمان، تبرز مدينة "أدرار" العريقة، أرض الأولياء والصالحين، لتقدم للأمة الإسلامية واحداً من أنبل علمائها وأبرز أعلامها المعاصرين: الشيخ امحمد بن مصطفى الرقادي (رحمه الله)، العالم الذي طاف البلاد ناشراً للفضيلة، ومربياً للأجيال، ومؤلفاً صاغ من عذب الكلام مناراتٍ تهدي الحيارى.

الفجر المشرق: النشأة والارتباط بالقرآن الكريم

في عام 1367 هـ (الموافق لـ 1948م)، شهدت "الزاوية الكنتية" بمدينة أدرار مولد هذا الحِبر الجليل، والزوايا في جنوبنا الكبير لم تكن مجرد جدران، بل كانت قلاعاً للحفاظ على الهوية والدين، وفي هذا المناخ الروحاني النقي، نبت الشيخ امحمد نباتاً حسناً، وظهرت علامات نبوغه مبكراً؛ فلم يكد يبلغ الحادية عشرة من عمره حتى كان قد أتم حفظ القرآن الكريم كاملاً على يد الشيخ الفاضل العيد بن سالم كادي، وكان هذا الحفظ المتين بمثابة الحجر الأساس الذي انطلقت منه شخصيته العلمية الفذة.

رحلة في طلب العلم: همةٌ لا تعرف الكلل

لم يقنع الشيخ بما ناله من معارف في مسقط رأسه، بل دفعه الشغف بالعلم الشريف إلى شد الرحال، مقتفياً أثر العلماء الأوائل:

محطة تمنطيط: انتقل إليها ليلازم الشيخ عبد القادر بن أحمد ديدي، حيث نهل من بحور العلوم الشرعية واللغوية على مدار سنتين كاملتين، مصقلاً ملكته الفقهية واللسانية.

مدرسة العلوشية: تابع رحلته ليحلّ بمدرسة الشيخ مولاي أحمد الطاهري الإدريسي الحسن السباعي، متتلمذاً على يد الشيخ الحبيب بن عبد الرحمن العلوي لمدة سنة ونصف، مستزيداً من علوم الشريعة وأسرارها.

بشار وبشار الجديد(بيداندو) : لم يكن الشيخ طالباً للعلم فحسب، بل كان يعطي أينما حل، فقضى في مدينة بشار ثلاث سنوات معلماً لكتاب الله، ومدرساً لمبادئ الفقه والنحو. وفي "بيداندو" عُيّن إماماً ومدرساً بمسجد "أولاد سعيدان"، ثم انتقل إلى "الدبدابة" مواصلاً رسالته المقدسة في تحفيظ القرآن.

الرحلة إلى المغرب الأقصى: تأكيداً على همته العالية، شد الرحال إلى مدينة مراكش بالمغرب الأقصى، ليدرس عند الشيخ أحمد بن عبد المعطي وهو نفسه مؤسس مدرسة سالي المذكورة سابقا، حيث اعتكف على طلب العلم واستيعاب أمهات الكتب لمدة ناهزت السبع سنوات، عاد بعدها محملًا بكنوز المعرفة الفقهية واللغوية.

العودة إلى الجذور: إحياء منارة الزاوية الكنتية

في عام 1395 هـ (1975م)، عاد الشيخ امحمد بن مصطفى الرقادي إلى أرض توات، لا ليرتاح، بل ليبدأ مرحلة العطاء الأكبر فاستقر في "الزاوية الكنتية" بأدرار، وجعل منها قبلة لطلاب العلم، وبصوته الخاشع وعلمه الغزير، أحيا التدريس وحلقات الذكر، وصار ملاذاً للفتوى والتوجيه، فتخرج على يديه رجالاً يحملون اليوم مشعل الهداية.

الإرث العلمي: مؤلفات خالدة تروي ظمأ الباحثين

لم تقتصر بركة الشيخ على الدروس الشفهية، بل خطّت يمينُه مؤلفاتٍ رصينة، جمعت بين دقة الفقه وعذوبة النظم الشعري، ومن أبرز ما ترك للمكتبة الإسلامية:

بيضة الأنوار في سيرة النبي المختار: منظومة شعرية رائقة صيغت بحب وهيام في سيرة الحبيب المصطفى ﷺ.

ربيع الأبرار: وهو الشرح الوافي المتين الذي وضعه الشيخ بنفسه على منظومته "بيضة الأنوار".

نظم على مختصر الشيخ خليل: صاغ فيه المسائل الفقهية المالكية المعقدة في قالب شعري يسهل حفظه وفهمه.

مسالك الأبرار في مناسك الحج والاعتمار: دليل فقهي وعملي ييسر للحجاج والمعتمرين أداء شعائرهم.

المداخلة الكنتية فيما يتعلق بالمحبة النبوية: كتاب يفيض بالروحانيات ويعزز ارتباط القلوب بالجناب النبوي الشريف.

نظم متن الآجرومية: تيسيراً لعلوم اللغة العربية وقواعدها للطلاب والمبتدئين.

بالإضافة إلى هذا الإنتاج الغزير، ترك الشيخ وراءه مئات الرسائل الفقهية والأبيات الشعرية، وكان سفيراً للجزائر بعلمه، يلقي المحاضرات والندوات داخل الوطن وخارجه، مبرزاً عمق المرجعية الدينية الجزائرية الأصيلة.

الغروب الحزين: رحيل جسد وخلود أثر

بعد حياة حافلة بالجهاد العلمي والعطاء غير المنقطع، ابتلى الله الشيخ بمرض لازمَه وصبر عليه صبراً جميلاً، حتى اختاره الله إلى جواره في عام 1433 هـ (2012م) بمستشفى "عين النعجة".

لقد رحل الشيخ امحمد بن مصطفى الرقادي عن دنيانا، فبكت أدرار وتوات والجزائر بأسرها عالماً من علمائها الأبرار، وانطوت برحيله صفحة من العطاء المباشر، لكن صفحة الأثر الخالد لم ولن تنطوي؛ فمؤلفاته لا تزال تُقرأ، وتلاميذه لا زالوا يعلمون، وسيرته العطرة ستبقى نبراساً لكل من أراد سلك طريق العلماء الإجلاء.

اللهم ارحم الشيخ امحمد بن مصطفى الرقادي رحمة واسعة، وأسكنه الفردوس الأعلى من الجنة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً، واجعل ما قدمه للأمة في ميزان حسناته، وارضَ عنه وأرضِه.

كتبت هذا المقال اعتماداً على معلومات من صفحة الأستاذ الاستاذ المعلم سالمي ، وبالإستعانة بالذكاء الإصطناعي.  


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق