لم يعد المشهد مجرد "دبلوماسية" تبحث عن توازنات، ولا "سياسة مصالح" تتوخى الحذر، بل استحال إلى صورة فاضحة، تعرّي الوهن الذي أصاب جسد الأمة في مقتل. إن ما نراه اليوم من وقوف بعض قادة الدول العربية والإسلامية في طوابير الخضوع، يتلقون الإملاءات بصدور عارية من الكبرياء أمام غطرسة سياسية يمثلها نموذج "دونالد ترامب" وأمثاله، ليس إلا إعلاناً صريحاً عن ضياع البوصلة، واسترخاصاً لدم وكرامة شعوبٍ لا تجد في هؤلاء القادة إلا انعكاساً لضعفها وانكسارها.
وهم الحماية وضريبة التبعية
إن القوى الكبرى، وفي مقدمتها واشنطن، لا تقيم وزناً إلا للأقوياء، ولا تحترم إلا من يملك قراره بين يديه. أما التابعون الذين رهنوا سيادتهم ومقدرات أوطانهم في "البيت الأبيض"، فهم في نظر المستكبرين مجرد أدوات وظيفية؛ تُستنزف حتى الثمالة، ثم تُرمى في سلة التاريخ حين تنتهي مدة صلاحيتها.
من يتنازل عن سيادته طمعاً في كرسي أو خوفاً من زوال ملك، فلا يلومنّ إلا نفسه حين يُعامل بازدراء؛ فالذي لا يحترم تاريخ أمتة، ولا يغار على مقدسات دينه، لا يمكن أن يفرض احترامه على عدوٍ يراه مجرد "بقرة حلوب" أو صفقة تجارية عابرة.
العزة: من المنطلقات الإلهية إلى الواقع المفقود
لقد رسم لنا المنهج الإلهي خارطة طريق العزة، ووضع لنا قواعد الاشتباك مع الواقع، فكان النص القرآني حاسماً:
﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾
هذه العزة ليست شعاراً يُرفع في المحافل، بل هي استقلال ذاتي، وإرادة حرة، واستغناء بالله عن خلقه. وحين وعد الله المؤمنين بقوله: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾، كان المشروط هو الإيمان الذي يولد القوة والمنعة، لا الضعف الذي يستجدي الأمن من الخصوم.
إن الذل الذي يغلف المشهد اليوم ليس قدراً محتوماً، بل هو الثمرة المرة لترك الثوابت والارتماء في أحضان من لا يرقبون فينا إلاّ ولا ذمة. وكأننا نعيش اليوم مصداق تحذير النبي ﷺ: «إذا تبايعتم بالعِينة… وتركتم الجهاد، سلّط الله عليكم ذلًّا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم». والرجوع هنا ليس مجرد طقوس، بل هو عودة لروح السيادة، واستعادة لزمام المبادرة، ورفض لكل أشكال الاستخفاف والارتهان.
الاستخفاف والفسق السياسي
ما أشبه الليلة بالبارحة؛ فالتاريخ يعيد نفسه بصورٍ أكثر قتامة. لقد لخص القرآن الكريم علاقة الحاكم المتغطرس بشعبه ومن حوله في قوله تعالى:
"فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ"
إن هذا الاستخفاف لا ينجح إلا حين تقبل الشعوب والنخب بالهوان، وحين يصبح الصمت على الإهانة ثقافة، والتبرير للتبعية "حكمة سياسية". إن من رضي بأن يكون تابعاً، كُتب عليه أن يعيش مهاناً، ومن ظن أن العزة تُشترى بالصفقات المليارية أو تُستجدى من دهاليز واشنطن، فقد ضل سعيه وهو يحسب أنه يحسن صنعاً.
خاتمة: الكرامة لا تقبل القسمة
إن استعادة الهيبة لا تمر عبر البوابات الدولية، بل تنبع من الداخل؛ من كرامة المواطن، وقوة الاقتصاد، والاعتزاز بالهوية، والصدق مع الله والشعوب. فالعزة لا تُمنح كمنحة، ولا تُؤخذ كصدقة، بل هي حقٌ يُنتزع انتزاعاً، ومن يهن يسهل الهوان عليه.. وما لجرحٍ بميتٍ إيلامُ.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق