السبت، 21 فبراير 2026

المرايا الخادعة: في نقد العبث الرقمي وضياع القيم

لقد تحولت منصات التواصل الاجتماعي من جسور للتقارب الإنساني إلى مسارح مكتظة بالأقنعة، حيث يختلط الزيف بالحقائق، وتضيع المبادئ في زحام البحث عن "الإعجاب" اللحظي. إن ما نشهده اليوم من انحدار في لغة الحوار وتدني في مستوى الطرح، يستوجب وقفة حازمة مع الذات قبل الآخر.

​أقنعة الرجال: بين التملق والسقوط

​يبرز في هذا الفضاء نموذج للرجل ( عفوا للذكر ) الذي جعل من "التربص" مهنة، ومن "الكلمات المنمقة" فخاً يصطاد به العقول والقلوب. يبني من زيف الكلام "هودجاً" وهمياً ليرفع عليه الضحية، متظاهراً برقيٍّ مصطنع يخفي خلفه سقوطاً أخلاقياً مدوياً. والعجيب، أن هذا "القناع" يسقط بمجرد الاصطدام بكلمة "لا"؛ فتنقلب الوداعة إلى وحشية، ويتحول الغزل إلى سباب وشتائم نابية، مما يكشف أن الرقي لم يكن يوماً طبعاً، بل كان فخاً ووسيلة.

​فتنة المظهر وتناقض الرسالة

​على المقلب الآخر، تبرز إشكالية العرض المبتذل للمفاتن. إن النفس البشرية جُبلت على التأثر بالجمال، ولكن حين يتم توظيف هذا الجمال لإثارة الغرائز تحت مسمى "الحرية" أو "العفوية"، يقع المتلقي في حرج وجودي.

ليس من العقل في شيء أن تظهر المرأة بصور فاتنة تتجاوز حدود الحياء، ثم تشتكي من "تهافت التافهين" حولها! إن من يزرع الفتنة لا يحصد إلا الضجيج.

يا سيدتي.. كوني أماً، أختاً، أوزميلة في العمل، تعكس وقار الأصل وعمق الفكر. كوني "ابنة أصل" يُجبر الناظر إليها على الاحترام قبل الإعجاب. إن الجاذبية الحقيقية تكمن في رقي الأخلاق وصلابة القيم، لا في الأصباغ والمساحيق وعروض الأزياء التي لا تترك للعقل مكاناً ليتكلم.

​سموُّ المشاعر وحرمة الكلمة

​لا عيب في أن يكتب الرجل أو المرأة عن الحب والغرام، فالمشاعر جزء من إنسانيتنا. ولكن الفرق يكمن في "الضمير الحي" الذي يضع الحدود. هناك صديقات، بل أخوات في هذا الفضاء يمثلن القمة في الوعي، حيث ينساب الحوار في إطار من الاحترام المتبادل والأخوة الصادقة. المرأة العفيفة، بطبعها الكاتم للمشاعر والراقي في التعبير، تدرك أن الكلمة أمانة، وأن الحياء لا ينقص من الشخصية بل يحيطها بسياج من الهيبة.

​حلم الفضاء الآمن والواقع المرير

​لماذا لا تكون هذه المواقع واحات للأمان؟ لماذا يغيب الصدق ويحضر التصنع؟ إننا نشتاق إلى عالم رقمي بأسماء حقيقية ووجوه صريحة، عالم يظهر فيه الإنسان كما هو، بمشروعه، بأحلامه، وبقصة حياته التي يعتز بها، بعيداً عن الخداع والكذب.

​خاتمة: رسالة إلى النخبة الواعية

لولا وجود عقول راجحة ونخبة مثقفة، تحمل غيرة حقيقية على القيم والإنسان ممن يتمسكون بالجوهر في زمن المظاهر، لكان قرار الهجرة النهائية من هذه المواقع هو القرار الحاسم. أنتم "صمام الأمان" الذي يمنع هذا الفضاء من الغرق الكامل في مستنقع التفاهة. لنستمر في الظهور بجمال الفكر لا بابتذال اللباس، ولنجعل من وجودنا رسالة احترام تُقرأ قبل أن تُرى.  


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق