في رحاب مدينة قسنطينة، جوهرة الشرق الجزائري التي لا تنجب إلا العظماء ولا تخرج من صلبها إلا الأحرار، بزغ نجم الأستاذة علجية عيش؛ ابنة الأرض الطيبة، وسليلة بيتٍ شربت فيه مع حليب الرضاعة عزة النفس وقيم الإباء. هي ليست مجرد اسم في سجل الصحافة والإعلام، بل هي مسيرة وطن، وتاريخُ أسرةٍ لم تبخل يوماً بتقديم الغالي والنفيس في سبيل عزة هذا البلد.
جذورٌ ضاربة في عمق التضحية
لا يمكن قراءة شخصية علجية عيش بمعزل عن ذلك الإرث العظيم الذي تحمله في عروقها. فوالدها، ذلك المجاهد الشهم الذي لبّى نداء الواجب حين نادى المنادي، لم يورثها مالاً أو جاهاً زائلاً، بل ورثها "عقيدة الاستقامة" و"روح التضحية". لقد غرس فيها أن الإنسان لا يُقاس بما يملك، بل بما يقدم لأمته، وأن الكلمة التي لا تنبع من ضمير حيّ هي كلمة ميتة لا حياة فيها. ومن هنا، نشأت علجية وهي تحمل في قلبها شعلة لا تنطفئ من حب الوطن، متسلحةً بخلقٍ رفيع يجمع بين تواضع العلماء وصلابة الثوار.
قلمٌ لا يلين في وجه الباطل
بينما يختار الكثيرون السلامة، اختارت علجية عيش أن تكون "صوتاً لمن لا صوت لهم". إن مسيرتها كصحفية وإعلامية وشاعرة لم تكن يوماً مهنةً عابرة، بل "رسالة مقدسة". إنها المناضلة الفذة في صفوف حزب جبهة التحرير الوطني، حيث تتقاطع لديها مصلحة الوطن مع نبض المجتمع.
في كتاباتها، لا تكتب علجية بمدادٍ عادي، بل تكتب بدمٍ يغلي غيرةً على الحق، وبعقلٍ يستنير بفكر المفكر العبقري مالك بن نبي. هي تدرك تماماً أن "شروط النهضة" تبدأ من فكرٍ أصيل ووسطيةٍ سمحة، لذا جاءت مؤلفاتها لتكون مرآةً للمجتمع، ترفض الظلم، وتنتصر للضعفاء، وتؤصل لمفاهيم الإسلام الوسطي البعيد عن التطرف والمغالاة، ذاك الإسلام الذي يبني الإنسان ليحمي العمران.
أخلاقيات المهنة.. درع الحقيقة
في زمنٍ تلوثت فيه الكثير من الأقلام بمساحيق النفاق والمصالح الضيقة، تقف علجية عيش شامخةً كجبال الأوراس، متمسكةً بأخلاقيات المهنة كتمسكها بحبل الله المتين. هي تؤمن أن الكلمة أمانة، وأن الموقف الصحفي ليس مجرد خبرٍ عابر، بل هو تشكيل لوعي الأجيال. لذا، اتسمت كتاباتها بالموضوعية الصارمة والصدق الذي يلمسه القارئ في كل سطر، خاصة حين تتناول الشخصيات الوطنية التي تركت بصماتها في تاريخ الجزائر.
دعاءٌ من القلب لمن وهبت قلبها للوطن
إن علجية عيش، هذه الإنسانة التي جعلت من حب الوطن والإنسانية محوراً لكيانها، تستحق منا الوقوف تقديراً لجهدها المخلص. إننا إذ نحتفي بها اليوم، لا نحتفي بمجرد كاتبة، بل نحتفي بنموذج للمرأة الجزائرية الحرة التي لا تبيع ضميرها ولا تساوم على مبادئها.
نسأل الله العلي القدير أن يجزيها خير الجزاء عن كل حرفٍ خطته نصرةً للحق، وعن كل فكرةٍ دافعت عنها لرفعة هذا الوطن. ونسأله عز وجل أن يرزقها من واسع فضله سعادة الدارين، وأن يتغمد والديها بواسع رحمته، ويسكنهما الفردوس الأعلى من الجنة، جزاءً بما قدما للوطن ولابنةٍ بارّة مثلك يا علجية، ظلت وفية للعهد وللأصل وللقلم.
خاتمة:
ستظل علجية عيش عنواناً للثبات، ورمزاً للصحافة التي تعيد ترتيب العالم وفق قيم العدل والمحبة، تواصل مسيرتها، شاعرةً بوجع المجتمع، وكاتبةً لا يغمد سيفها في وجه الزيف، محلقةً بفكرها في سماوات الإبداع، لتظل دوماً ابنة قسنطينة التي تفخر بها الجزائر.



ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق