في زوايا قصر الزوية ببلدية تمقطن، حيث يمتزج عبق التاريخ بنسمات الصحراء الهادئة، عاشت امرأةٌ لم تكن مجرد عابرة في سجل الحياة، بل كانت نبضاً حياً للأصالة وجسراً يربطنا بزمن الصفاء الذي بات يغادرنا ببطء. هيباوي لالة ستي، بنت مولاي امحمد بن مولاي العربي، الملقبة بـ “لغزالة”، لم تكن اسماً يُذكر في المحافل الرسمية، بل كانت اسماً محفوراً في ذاكرة كل من عرفها، وكل من استنشق عبير إنسانيتها التي لم تكن تعرف التكلف أو التصنع. لقد كانت لالة ستي اختزالاً لمعاني التعامل الفطري، حيث تجتمع في شخصيتها بساطة البادية مع عمق الكلمات التي لا تكتسب من الكتب، بل من تجارب الحياة المليئة بالصبر والاحتسا. كانت روحاً ملهمة، تشع نيةً صادقةً كأنها فجرٌ يتنفس في صحراء تمقطن، من عرف صفاء قلبها أدرك أن الجمال ليس في المظهر، بل في ذلك النور الذي يغشى الوجوه الطيبة حين يمتلئ الباطن بالصدق والمحبة.
تلك الملامح التي وسمها الزمن بخطوط الصبر، كانت تحكي قصصاً من المكافحة والرضا، فلقد كانت لالة ستي "لغزالة" رمزاً للمرأة التي استمدت قوتها من معدنها النادر، ومن أصولها التي تمتد عميقاً في جذور المنطقة. كانت تمشي على الأرض بخفة، تاركةً خلفها أثراً يزداد عمقاً كلما تقادمت الأيام، وكأنها تدرك أن البقاء ليس للأجساد، بل للذكرى الطيبة والأثر الذي يتركه الإنسان في قلوب حيوان وخاصة من أحبه. في حضورها كان يحلُّ الهدوء، وفي حديثها، كانت تظهر العفوية التي تُعلم الأجيال أن القناعة هي الكنز الحقيقي الذي لا يفنى، وأن الابتسامة الصادقة أبلغ من كل الكلام المنمق. كانت تعيش لوحدها في منزلها، وكانت روحاً تنبض بالبساطة، وتغرس في كل من مرَّ في طريقها كلمات لا تندثر، وقصصاً من التواضع الذي يرفع صاحبه إلى أعلى درجات الرقي الإنساني.
اليوم، ونحن نستحضر ذكراها، نجد أنفسنا أمام نموذجٍ نادرٍ من البشر الذين رحلوا بأجسادهم، لكنهم تركوا في سماء الزوية نجوماً لا تخبو. إننا إذ نكتب هذه السطور، لا نؤدي واجباً تجاه راحلةٍ عزيزة فحسب، بل نُعيد إحياء قيمٍ هي في أمس الحاجة لأن تُغرس في نفوس الأجيال الصاعدة، قيم البساطة والتواضع و الوفاء، والصدق، والنقاء. لقد كانت لالة ستي مرآةً تعكس صفاء الزمن الجميل، ذلك الزمن الذي كانت فيه الكلمة عهداً، والمودةُ عماراً للبيوت والنفوس. رحم الله تلك الروح الطاهرة، وأسكنها فسيح جناته، فقد كانت سيرةً عطرة ومثالاً حياً للصبر والأصالة، وستظل ذكراها مرافقة لنسيم الصحراء في الزوية، تتناقلها الألسنة كحكاية حبٍّ لا ينتهي، ورمزاً لامرأةٍ عرفت كيف تعيش بسلامٍ مع الله ومع نفسها ومع الناس، تاركةً في القلب جرحاً يلتئم بالدعاء، وفي الذاكرة صورةً لا يطويها النسيان. يا رب، اجعل مقامها في جنات الخلد، واجعل ما قدمته في حياتها من طيب الأثر ميزاناً يثقل حسناتها يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون، فقد كانت لالة ستي حقاً مثالا نادرةً للبساطة في عقد التاريخ الجميل لمنطقتنا الغالية.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق