في دروب أرض أولف الطيبة، وبين جنبات قصر "إينر" العتيق ببلدية تمقطن في ولاية أدرار، تنبت سير الرجال الصالحين كأشجار النخيل الباسقة، تضرب جذورها في عمق الأرض وترتفع هاماتها بذكر الله والعمل الصالح. وممن تركوا في هذه الأرض أثراً لا يمحوه تعاقب الأيام، وفاح ريح صلاحهم ليعطر الذاكرة الجماعية للمنطقة، الشيخ أدجرفور الحاج محمد، ذلك العَلم البارز الذي عرفه الصغير والكبير في حياته ومنهم كاتب هذا المقال، والملقب في الأوساط الشعبية بـ "بنجوم" أو "الجاج نجوم"؛ رجلٌ عاش لله، ومات في بيت الله، وبقي حياً في قلوب المحبين بما قدمه من صدق وإخلاص.
لقد كان الشيخ "نجوم" نموذجاً حياً لرجل الله المؤمن التقي، الذي تعلقت جوارحه ببيوت الله، فلم تكن المساجد بالنسبة إليه مجرد مكان لأداء الفريضة، بل كانت موطنه الروحي، وملاذه النوراني الذي يجد فيه أنسه وراحتة. ويذكر أهل المنطقة ببالغ الإكبار والاعتزاز صوراً مشرفة من شدة تعلقه بالمسجد؛ إذ بلغت به الأشواق لبيوت الله، والحرص على صلاة الجماعة، حداً أنه عندما أقعده كبر سنه ووهن عظمُه، لم يستسلم للعجز ولم يتخذ من المرض عذراً، بل كان يقصد مسجد "جعفر أبي طالب" بقصر إينر حبواً على ركبتيه، في مشهد إيماني مهيب تهتز له القلوب إكباراً، وتتحرك له العيون دمعاً، مجسداً بفعله ذاك حقيقة التعلق الصادق الذي يذيب كل العقبات الجسدية في سبيل نيل رضا الخالق العظيم.
ولم يقتصر شغف الشيخ محمد أدجرفور بالحياة الإيمانية على العبادة المحضة، بل كان قلبه نابضاً بحب العلم والعلماء، مستنيراً بالبصيرة التي تجعل المرء يبحث عن مجالس النور حتى آخر رمق من حياته. فرغم تقدمه في السن، وبعد المسافة الكبيرة التي تفصل قصر "إينر" عن مدرسة الشيخ العلامة محمد باي بلعالم ـ رحمه الله ـ، إلا أن الشيخ محمد "نجوم" لم يتخلف يوماً عن التردد على تلك المجالس العلمية المباركة. كان يقطع الفيافي والمسافات الطويلة تدفعه همة كهمم الأنبياء، وشوق عارم للاستماع إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفقه الدين، حيث كان من الرواد المخلصين الحريصين على حضور ختم "صحيح البخاري" بالمدرسة القرآنية "مصعب بن عمير"، ليجمع بين شرف العبادة وشرف العلم، ويؤكد للجميع أن طلب العلم لا يحده عمر ولا تمنعه مشقة.
وفي حياته الاجتماعية، كان الشيخ الحاج محمد "نجوم" ركيزة من ركائز المجتمع وأحد أعيان ووجهاء منطقة أولف الذين يُشار إليهم بالبنان. تميز بشخصية مهيبة آسرة، وجبلة طبعت على الكرم الحاتمي والترحيب بالضيف وإغاثة الملهوف. كان واصلاً لرحمه، متفقداً لأحوال أهله وجيرانه، يسعى في إصلاح ذات البين ببشاشة وجه ونقاء سريرة. وإلى جانب لينه وسماحته في الحق، كان الشيخ رجلاً صدّاعاً بكلمة الحق، لا يخشى في الله لومة لائم، يقف في وجه الباطل بشجاعة المؤمن وثبات المتقين، مما جعل كلمته مسموعة ورأيه سديداً ومحترماً بين سائر الناس.
ولأن عيش النقاء لا ينتهي إلا بختام المسك، فقد أكرمه رب العزة بنهاية تليق بصفاء سريرته وعظيم إقباله على مساجد الله. ففي يوم الجمعة المبارك، الخامس من شهر فيفري لعام 1999 ميلادي، الموافق للتاسع عشر من شهر شوال لعام 1419 هجري، كان الشيخ أدجرفور الحاج محمد على موعد مع رحلة الخلود. حضر إلى مسجده الحبيب بقصر إينر، وشهد صلاة الجمعة، متنقلاً بين ركوع وسجود وذكر ودعاء، وفي ذلك المحراب الطاهر، وبينما كانت أنفاسه تتردد بذكر الله، فاضت روحه المطمئنة إلى بارئها. مات في المسجد، وفي يوم الجمعة، بعد أداء الصلاة وقراءة سورة الكهف، ليكون هذا الختام مسكاً وشهادة إلهية على صدق جهاده وتعلقه ببيوت الله.
لقد رحل الشيخ "نجوم" عن دنيانا، لكن سيرته العطرة بقيت حية تنبض بالدروس والعبر، ترويها الأجيال تلو الأجيال كقصة رجل أسر القلوب بطاعته، وأبهر العقول بهمته، ومات ميتة الصالحين الأبرار. فطيب الله ثراه وجعل قبره روضة من رياض الجنة، كما طيب سيرته في الأولى، واللهم اغفر له وارحمه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ويا رب العالمين ألحقنا به وبالمؤمنين في جنات النعيم مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق