الأربعاء، 22 يوليو 2026

بايه زهير بن محمد المعروف بالسعيد: ملاك الصبر في محراب الحياة وأثرٌ يضيء العتمة

و جددتفاوت مواقف الرجال في هذه الحياة، فمنهم من يمر كعابر سَبيل لا يترك خلفه إلا أثراً طفيفاً، ومنهم نفوسٌ أبية تُبعث في الأرض لتكون منارات للهداية والإيمان والتسامح، ورجالاً يُكتب ذكرهم بحروف من نور في قلوب كل من عرفهم. وكان الراحل الكريم "بايه زهير بن محمد"، المعروف السعيد، من أولئك الأخيار الذين رسموا بالخُلُق الرفيع والسريرة النقية ملامح سيرةٍ عطرة لا يمحوها الزمان، ولا يغير معالمها الغياب.

​لقد تجلّت في شخصيته معاني الإيمان الصادق حين ابتلاه الله عز وجل بمرضٍ عضال، فلم يُقابِل القضاء بالضجر أو الشكوى، بل استقبله بقلبٍ مطمئن وثباتٍ ينطح السحاب، متسلحاً بصبر الجبال وحمد الشاكرين العارفين بالله. كان يرى في البلاء نفحةً إلهية وباباً لتطهير النفس، فلم تسمع أذنٌ منه شكاية، ولا عرف التكاسل أو الاستسلام سبيله إلى نفسه، بل كان يلهج بلسانٍ يعمره اليقين: "لعل ما ابتلاني به ربي من هذا المرض يكون لي تخفيفاً من الذنوب ورفعةً في الدرجات". لقد تمتع بشخصية حديدية تحطمت على جدارها عوادي الزمان، ولم ينل المرض العضال من عزيمته ولا من إيمانه العميق.

​ولم تكن حافلته التي امتهن بها نقل المسافرين في بعض من حياته مجرد وسيلة لكسب الرزق، بل جعل منها ساحةً لخدمة المجتمع، ومحراباً للتسامح والرفق، فكان يغمر الناس بسماحته، ويُطيب خاطرك بنصيحته، ويشيع الخير أينما حلّ وارتحل، وعاش إنساناً مسالماً بالمعنى الأسمى للكلمة، يحب الخير للجميع، ويحمل في أفقه نفحاً إيمانياً فاض على كل من عامله أو جالسه، فكان يُقبل على الناس بابتسامة المشفِق ونصح العطوف.

​غير أن أعظم مآثره تكمن فيما زرعه في بيته وبين أبنائه؛ حيث ضرب أروع الأمثلة في التربية الصالحة ونقاء المعدن. يقول عنه أحد أبنائه بنبرة يملؤها الشوق والإجلال، إن نصائحه وكلماته لا تزال ترنّ في أذنيه، متعجباً من رجلٍ لم ينطق لسانه يوماً بما يسوء؛ فلم يقل لولده كيف تخدع فلاناً، ولا كيف تمكر بذاك، ولا حثه على رد السيئة بالسيئة. بل قدّم درساً عملياً خالداً في مكارم الأخلاق، وغرس في أبنائه روح الأخوة المتينة التي لا تزعزعها رغائب الدنيا، ولا تفرّقها المصالح الفانية.

​إن رحيل رجلٍ بهذه القامة ليس مجرد غياب لجسد، بل هو ارتقاء لسيرةٍ تسلب الألباب وتتأتأ أمامها الأبجديات؛ فمهما خطّت الأقلام وسُكبت العبارات، تبقى القواميس عاجزة عن إيفائه حقه، ويبقى قدره العظيم محفوراً في سويداء القلوب. سلامٌ على تلك الروح الطاهرة التي أفضت إلى جوار ربها، وسقى الله ثراه برحمه الغزير، وجعل منزلته في أعلى عليين مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق