في زمن تُقاس فيه قيمة الإنسان أحياناً بظواهر زائلة وبمعايير جمال واهية صنعها البشر وتنتهي جميعها تحت التراب، تقف تجربة «زهية بن قارة» كعلامة فارقة ورمز للصمود السياسي والإنساني؛ تجربة تختزل حكاية امرأة لم تختر ملامحها، لكنها اختارت بصمتها، بل فرضت وجودها بما قدمته وبنته على أرض الواقع. إنها أول امرأة تترأس بلدية في ولاية ميلة، وأول رئيسة بلدية منتخبة عن حزب إسلامي في الجزائر، في انجاز تاريخي لم يتحقق في صالونات مجهزة أو بيئات مرفهة، بل في عمق منطقة جبلية ريفية محافظة، وسط منافسة ضارية خاضتها أمام قوى سياسية عتيدة.
إن المثير للدهشة والأسى في آنٍ واحد، هو أن أولئك الذين عجزوا عن مواجهة سيرتها وتفنيد كفاءتها بالمنطق، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ:
«إنَّ اللهَ لا يَنْظُرُ إِلى صُوَرِكُمْ وَلا أَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ»(رواه مسلم)، وجدوا في التنمر والسخرية ملجأ لضعفهم، متناسين أن السخرية من الخلقة ليست رأياً ولا نقداً، بل هي إفلاس فكري وسقوط أخلاقي مدوٍّ. فالنقد السياسي حق مكفول ومطلوب، ويجوز بل يجب نقد الأداء والمواقف وتقييم حصيلة العمل التنفيذي؛ أما المساس بالشكل والخلقة فهو اعتداء على صنع الخالق، وخرق صريح للقيم الإنسانية والشرعية التي حسمها الحق سبحانه وتعالى بقوله: {لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم}.
لقد كانت تلك اليد التي حاول البعض التقليل منها أو التنمر على صاحبتها، هي نفسها اليد التي امتدت لفك العزلة عن الناس البؤساء في المداشر والقرى المنسية، وهي اليد التي سعت لتهيئة الطرق الوعرة، وتوسيع شبكات المياه والغاز، وتحسين واقع المدارس والخدمات الأساسية في مناطق كانت تعاني المهمش والنسيان. هنا يتجلى الفارق الجوهري بين من يثرثر خلف الشاشات ومن يصنع الأمل في الميدان؛ فالقيمة الحقيقية للإنسان لا تكمن في مدى مطابقته لمقاييس شكليّة عابرة، بل فيما يتركه من أثر طيب، وما يحققه من تغيير ملموس في حياة الآخرين.
إن قضية «زهية بن قارة» تتجاوز حدود شخصها لتصبح قضية رأي عام ومسألة وعي مجتمعي؛ إنها درس قاطع لكل من يحاول اختزال الكفاءات في أشكالها، وتذكير دائم بأن الإرادة الصلبة والعمل الصادق قادران على اختراق أسوار التهميش والتحيز. وقد أثبتت التجربة أن الأفعال هي التي تبقى خالدة في ذاكرة الشعوب، وأن الطرق التي فُتحت والماء الذي أُوصل والأمل الذي أُعيد لقرية نائية، أبلغ أثراً وأبقى ذكراً من كل كلمات السخرية التي تذرُوها الرياح وتتهاوى أمام عظَمَة الإنجاز.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق