غابت شمسٌ طالما أنارت بأشعّتها الدافئة قلوب المشتاقين إلى الطمأنينة، وخيم الحزن العميق على أرجاء زاوية مولاي هيبة ببلدية تمقطن التابعة لدائرة أولف في ولاية أدرار المعطاءة. لقد ترجل فارسِ الصبرِ ورجلِ الوقارِ والحكمة، صاحب الإبتسامة الصادقة والنقية، المغفور له بإذن الله، هيباوي مولاي أحمد بن سيد الوافي، الذي فاضت روحه الطاهرة إلى بارئها في اليوم السادس والعشرين من شهر جويلية لسنة ألفين وستة وعشرين. وفي ذلك المساء الحزين، اجتمعت القلوب قبل الأبدان لتصلي على جثمانه الشريف، وتشيعه إلى مثواه الأخير في جنازة مهيبة فاضت بها الدموع والدعوات، لتطوى بذلك صفحة مباركة من صفحات العطاء والاحتساب، بعدما قَضى طابِعاً مسيرته الأخيرة في فراش المرض؛ مرضا طويلاً لم يزده إلا صلابة في الإيمان، وصبراً جميلاً، ورضاً تاماً بقضاء الله وقدره، فكان المحتسب الذي يبتسم في وجه البلاء، والشاكر الذي يلهث لسانه بذكر الله في كل حين.
لم يكن الراحل مجرد قامة اجتماعية أو رمزٍ من رموز المنطقة فحسب، بل كان نسيجاً وحده في سمو الأخلاق وطهارة السريرة، فقد جمع بحق بين شرف الأخلاق وشرف النسب. كيف لا وهو ينحدر من أصلاب شريفة طاهرة، ويرتقي نسبه الوضاح إلى سليل النبوة الشريفة، الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب عليهما السلام ورضوان الله عليهما، فاستمد من هذا النسب الشريف نبل المسلك، وكرم الطبع، وحسن العشرة، وطيب الأثر. لقد كان رحمه الله مأوى للقلوب المنكسرة، ومناراً يقصده العارفون والباحثون عن الحكمة والنصيحة الصادقة، فلم تُفارق تلك الابتسامة المشرقة محياه حتى في أحلك أوقات الشدة والمرض، ليترك في نفوس كل من عرفوه أو جالسوه أثراً لا يمحوه الزمن، وذكراً عطراً يفوح بعبير المسك في أرجاء الزاوية والمنطقة بأسرها.
إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن وإنا على فراقك يا مولاي أحمد لمحزونون، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا. فاللهم يا حنان يا منان، يا واسع المغفرة والرحمة، تقبل عبدك هيباوي مولاي أحمد في الصالحين، وأنزله منازل الأبرار والمقربين، وأكرم نزله يا خير منزول به، ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس. اللهم جازه عن الصبر خير الجزاء، واجعل ما أصابه من مرض وفراق رفعةً في درجاته وكفارةً لسيئاته، واجعل بركته ونوره فيمن خلف بعده من أهله وذريته ومحبيه، وأفرغ على قلوبهم صبراً وثباتاً وسلواناً، واكتب لهم أجر الصابرين المحتسبين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق